تَخَرَّجَ من مدرسة النبي، صلى الله عليه وسلم، شبابٌ يمثّلون نماذج فذَّة في الفقه والتبيان، والزهد والإيمان، وبَلَغوا مبلغاً لم يبلغه الكبار، لوجود المعلم الناجح، والأسلوب الحكيم النافع..
ومن الأَبطال المغاوير، الشاب النبيل، والصحابي الجليل: رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الأوسي الحارثي، من أهل المدينة، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أَبا رافع، وقيل: أبا خديج الأَنصاري، وَأمّه: حليمة بنت مسعود بن سنان.
د. محمد إفرخَاس، واعظ أَول بإدارة التثقيف والتوجيه الديني، بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، يحدثنا عن مآثر هذا الصحابي الجليل:
نشأته وخصاله
ولد رافعٌ عام 12 قبل الهجرة، في مهد الإسلام، وتربَّى في محراب العبادة، وترعرع شبابه فوق صهوات الخيل. شهد أحداً والخندق وموقعة صفين مع عليّ بن أبي طالب، وأكثر المشاهد.. وكان عريف قومه، وكان يعمل بالزراعة والفلاحة. مَثَّلَ رافع النموذج الفعَّال من شباب الصحابة، الذين كانوا يحرصون على العمل الصالح، ليجمعوا بين الغزو والعبادة، وطلب العلم والحرص على القدوة الصالحة.
موقفه مع النبي يوم أحد
استصغر النبيّ، صلى الله عليه وسلم، سنَّ رافع يوم بَدر، وأَجازه يوم أحد فشهدها وشهد ما بعدها. ذلكم أنه لما خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أحد، وعرض أصحابه، فَرَدَّ من كان صغيراً، رَدَّ سمرةَ بن جندب، وأجاز رافع بن خديج، فقال سمرة لربيبه مري بن سنان: يا أبت، أجاز رسول الله، صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردَّني، وأنا أصرع رافع بن خديج. فقال مري بن سنان: يا رسول الله، رددتَ ابني، وأجزتَ رافع بن خديج وابني يصرعه. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم لرافع وسمرة: »تصارعا«. فصرع سمرة رافعاً، فأجازه رسول الله، صلى الله عليه وسلم فشهدها مع المسلمين.
مكانته في عهد النبي
لازم رافعٌ النبي، صلى الله عليه وسلم، وشارك معه منذ نعومة أَظفاره، فتعلَّمَ منه الشيء الكثير. وبَرَزَت مكانته في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، من خلال بعض الأعمال التي كانت توكل إليه، وفي ذلك قيمة كبيرة لقربه من الرسول، صلى الله عليه وسلم. وكانت أولَى المهمات التي أوكلَت إليه من قبَل الرسول، صلى الله عليه وسلم، بعثه في اثنَي عشر رجلاً من المهاجرين إلى بطن نخلة، فقتلوا ابن الحضرمي، وأَسروا رجلين منهم، وقد سميت هذه بسريَّة عبد الله بن جحش.
إنجازاته في عهد الخلفاء
شارك رافعٌ في الفتوحات الإسلامية، حيث جعله عمر بن الخطاب أَحَدَ أمراء الجيش فيها، وورد اسمه ضمن القادة الذين فتحوا مدينة بهنسا في صعيد مصر. وفي عهد عثمان وَليَ رافع اليمامة.
وبعد ذلك اعتزل وخرج من المدينة، ثم عاد مرة أخرى واستوطنها. أَما في عهد علي بن أبي طالب فقد كان حاضراً إلى جنبه في صفين.
التزامه بسنَّة النبي
مما يزيد من أهمية مرويَّات رافع، أن له أَحاديث سمعها من الرسول، صلى الله عليه وسلم، مباشرة، ومنها ما سمعه من الصحابة الكرام، فنقل لنا كمّاً هائلاً من الأَحاديث، استفاد منها مَن بعده في استنباط الأَحكام.
من مواقفه مع الصحابة
لما حصر عثمان بن عفان يوم الدار عطش فقال: واعطشاه، فقام رافع بن خديج هو وابناه عبد الله وعبيد الله وغلمانٌ أصابهم بأصبهان حين فتحوها، فتسلح وتسلحوا فقال: والله لا أرجع حتى أَصل إليه! إنه لموقف رائع يحسب لرافع في وقوفه مع الحق والعدل، ونصرة خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
روايته وتلاميذه
قال عنه الذهبي في السير: روى جماعة أحاديث. لكن الزركلي في الأعلام، خصص عموم الذهبي، عن جملة الأحاديث التي روى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال: روى له البخاري ومسلم ثمانية وسبعين حديثاً.
ورافعٌ من شيوخ مجاهد، والشعبي، وعطاء بن صهيب، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وبشير بن يسار، وابن عمّه أسيد بن ظهير، وابنيه: رفاعة وعبد الرحمن، وحفيده عباية بن رفاعة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وطاوس بن كيسان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وعطاء بن أَبي رباح، والقاسم بن محمد بن أَبي بكر، ومحمد بن سيرين، ونافع..
فقهه وفتواه
كان رافعٌ أَحَدَ فقهاء الصحابة ومحَدّثيهم، وأَهل الفتوى فيهم، وكان له الفضل في تحليل وتفسير أَحداث وقعت في عصره، حيث أَوضحها بأسلوب منهجيّ قائم على أَساس النَّهَل من مشكاة النبي، صلى الله عليه وسلم. فلا غرو في ذلك فهو يعَدّ من الفقهاء الأحداث، قال ابن سعد في طبقاته، بسنده عن زياد بن ميثاء، إنه قال: كان ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، وأبو واقد الليثي، مع أشباه لهم، من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: »يفتون بالمدينة، ويحدّثون عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من لَدن توفي عثمان إلى أن توفوا..«.