ما من كلمتين في كتاب الله مقترنتان إلا وبينهما سر بديع قد يكون خفياً حيناً وجلياً أحياناً، فإنّ المرافقة فرعٌ من الموافقة وكثيراً يتوقّف العلماء عند هذا الاقتران مستهدين بالله لمعرفة أسراره وأنواره لاسيما عندما يتكرر ذلك في مواضع مختلفة من كتاب الله من الآيات والسور.
فالمالُ مقترنٌ بالنفس أو الولد والصلاة دائماً مقترنةٌ بالزكاة والإيمان مرتبط بالعمل والخوف من الله ملازم للرجاء فيه والجنة تقابل النار، وغيرها من وجوه الاقتران التي تتكرر في القرآن وربّما عبر النبي، صلى الله عليه وسلم، على شاكلته في السُّنة معاضدة للقرآن.
وعلى سبيل المثال:
قال ابن دِحية في نهاية السَّول في خصائص الرسول، صلى الله عليه وسلم، مبيناً سرّ الاقتران بين الصلاة والنُسك في قوله تعالى: ﴿ُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فقال: قَرنَ بين الاستقبال إلى الكعبة والنُّسك إليها كما قرن بينهما حين قال ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. والجامع بين هاتين الشعيرتين «القِبلة» في الصلاة استقبالاً وفي الحج نحراً.
وفي الحديث الشريف «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ».
وقد أمر الله نبيَّه بالنحر والصلاة شكراً له وتواضعاً لما أعطاه الكوثر ولذلك كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يطأطئ رأسه عام الفتح وهو على الرّاحلة امتثالاً لأمر ربه.
وفي عام 574 توجه ابن دحية إلى شيخه أبي القاسم السُّهيلي في مدينة مقالة في ربوع الأندلس يسألهُ عن قوله تعالى: ﴿ ِإنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ﴾. فأجابه: إنَّ الضمير (هو) يُعطي معنى الاختصاص كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾، لأنّ العباد قد يتوهَّمون أنّ غير الله قد يُغني فقال (هو) أي لا أحد غيره.
ولما قال نِمْرود «أنا أحِيي وأميت» ردّ المولى سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾.
بينما استغنى الكلام عن «هو» في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ لأنه فعل لم يدعه أحد، وهكذا تحدى القرآن العرب بأقصر سورة أن يأتوا بمثلها ولن يأتوا إلى يوم الدين.
فجاء الضمير «هو» العائد على الله في مقابله الضمير «أنا» العائد على نمرود وعلى مَنْ شاكله مّمن عاير النبي الكريم بأنه «الأبتر» وقال: نحن خيرٌ أم هذا.
ولما توقف الوحي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فترة عيرهُ قريش بأن ربُّه قد ودَّعه فأقسم الله رداً عليهم بآيتين عظيمتين (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ إشارة إلى أن سنة الله في الأقوام السابقة الذين آذوا الأنبياء وحاربوا الرسل أن ينزل عليهم العذاب إذا حقّت عليهم كلمته في وقت الضحى وهم لاهون لاعبون أو في الليل إذا سجى واشتد ظلامه وآووا إلى مضاجعهم انتقاماً منهم فكان هذا القسم تهديداً ووعيداً وتحذيراً مناسباً لسبب نزول هذه السورة لكنّ سيدنا محمداً، صلى الله عليه وسلم، الذي جعله رحمة للعالمين دعا الله أن يَصرِف عنهم العذاب ولا يُجري فيهم هذا القانون الإلهي الذي سرى على كلّ الأمم قبله داعياً: (لعل الله يُخرج من أصلابهم من يُوَحّده).
طغيان «أنا»
يحذر ابن القيم في زاد المعاد من (أنا) فيقول: وليحذَرْ كل الحذر من طغيان «أنا» و«لي» و«عندي»، فإن الثلاثة ابتُلي بها: إبليس وقارون وفرعون، «فأنا خيرٌ منه» لإبليس، و«لي ملك مصر» لفرعون، و«إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي» لقارون. وأحسنُ ما وضعت «أنا» في قول العبد المذنب المخطئ المستغفر المعترف ونحوه و«لي» في قوله لي الذنب ولي الجرم ولي المسكنة ولي الفقر والذل. و«عندي» في قوله: (اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي).
* أستاذ جامعي وإعلامي