يُصوِرّ الإمام: أبو العباس أحمد بن عطاء الآمدي تلكُمْ الكواكب التي كانت تحيط بشمس النبوة المحمدية وتدور في فلكها آناء الليل وأطراف النهار فيقول وما أجمل مقولته:

«كان أبوبكر يَشُمّ نسيم الرسالة، وكان عمر يَشُمّ نسيم النبوة، وعثمان يَشُمّ نسيم الاصطفاء، وعلي يَشُمّ نسيم المحبة.

فكان هِجّيْر أبي بكْرُ»ذكر الله في وقت الهاجرة وقت اشتداد الحرّ في منتصف النهار": لا إله ألا الله وهِجّيْر عمر: الله أكبر، وهِجّيْر عثمان: سبحان الله، وهِجّيْر علي: الحمد لله.

فكان أبوبكر لا يَشهد في الدارين غير الله فكان يقول: لا إله إلا الله، وكان عمرُ يرى ما دون الله صغيراً في جَنْب عظمة الله فيقول: الله أكبر.

وكان عثمان لا يرى التّنزيِه إلا لله، إذْ الكُلُ قائم به غَير معرَّى عن النقصان فكان يقول: سبحان الله.

وكان عليُّ يرى نعمة الله في الدفع والمنع، والمحبوب والمكروه فيقول: الحمد لله.

ثمّ يُصور ابن عطاء التحوُّل في حياة المسلمين كلما بَعدوا عن عَهْد النبوة وأنْوارها بعد انتقال الرسول الكريم إلى مولاه فيقول:

لما قُبِضَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قام أبوبكر – رضي الله عنه – يسُوسُ الخَلْق بقضيب من نَسيم النبوة.

فلما تُوُفيَ أبوبكر تقدم عمرُ – رضي الله عنه- على سياسة الناس فأقام حدودَ الله بِدِرَّته – عصا قصيرة- وكان يقال: لَدِرَّةُ عمر أهيب من ألف سيف.

ولم يقدر عثمان – رضي الله عنه – على سياسة الناس بالدِّرة فأخرج السّوط فلم يستقم له الأمر كما استقام لصاحبيه.

فلما أستُشهد لم يقدر سيدنا علي – رضي الله عنه – على شيء يَسُوسُ به الخلق غير السيف إذ رأى ذلك صواباً.

ثم جاء التابعون فأحاطوا بالصحابة كما يحيط السوار بالمعصم يقتبسون منهم النور المحمدي فأحاط أهل الكوفة بسيدنا علي وسيدنا عبدالله بن مسعود، وأحاط أهل المدينة بسيدنا بسيدنا عمر وأصحابه، وأحاط أهل مكة بسيدنا عبدالله بن عباس، وهكذا في بقية الأمصار التي تفرق فيها الأصحاب ولكلّ منهم مدرسة في الاستنباط من كتاب الله إلى أنْ آل الأمرُ إلى الإمام مالك في المدينة فاستنبط الطريقة العمرية في استخراج أسرار القرآن تأثراً بالفقهاء السبعة في المدينة الذين ورثوا الفقه العمري.

ولما تسلم الراية الإمام الشافعي جمع بين فقه أبي حنيفة ثمرة لشجرة المدرسة العلوية وفقه مالك ثمرةً لشجرة المدرسة العمرية وفي الوقت نفسه أرسى أصول فقهه على منهج سيدنا أبي بكر الصديق في الاستنباط.

وبعدما ودع الشافعي بغداد وأتجه إلى مصر مكمِلاً فقهه ومتماً فكره تولى الأمر الإمام أحمد بن حنبل – في وقت ظهرت فيه الفتن الفكرية والعقدية في الأمة فأرسى دعائم فقهه على هؤلاء الفقهاء الثلاثة المستمد من الخلفاء لكنه في فقهه قد تميز بتأثره أكثر ما تأثر بسيدنا عثمان بن عفان – رضي الله عنه- في مواجهة الفتن التي كانت تهب على الأُّمة فتقلع الأخضر واليابس فألهمه الله الاحتجاج بالقرآن والحوار بالتي هي أحسن، وأبى أن يواجه الفتنة بالفتنة وإن أصابه ما أصابهُ من المحن وإنما واجهها بالفكر والفقه حتى أطفأ الله نارها وأبدلها نورا مُبيناً، من هؤلاء الأئمة الأربعة ما هم إلا ثمرة للخلفاء الأربعة الذين اقتبسوا أنوار المعرفة من السّراج المنير -صلى الله عليه وسلم – واهتدى إليهم فرحاً مسروراً.

ولما كانت الأمة تتخذ هذه المدارس ومَن سلك منهجهم مرجعيَّة في كل مستجداتها سرعان ما تعود المياه إلى مجاريها ويعودُ القوس إلى باريها لأن الله قد ألهمهم الاستنباط في كتاب الله.

مذهب أبي حنيفة

أشرقت شمس أبي حنيفة في الكوفة فاستخرج الطريقة العلوية ومنهج سيدنا علي في الاستدلال وكيفية حل المعضلات والمستجدات نقلاً عن الإمام إبراهيم النخعي وأصحابه الذين ورثوا فقه سيدنا علي كرم الله وجهه.

* أستاذ جامعي وإعلامي