«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.

ذكرت في بعض المقالات السابقة أن التسامح هو طريق الخير والأخلاق الحسنة، صاحب التسامح يكون قلبه سليماً، يكره التعصب، وينبذ العنف، ويدعو إلى اليسر والسهولة في التعامل مع الآخرين، يكون حسن الظن، طيب العشرة، نشيطاً في أمره، إيجابياً، وهنا يكون السؤال، كيف يكون إيجابياً؟

أذكر مثالاً ليتضح المقال، جاءني يوماً أحد الشباب وهو يعمل في دائرة معينة، وأظهر لي غضبه وكلامه الذي يحمل في طياته الشؤم والسلبية تجاه هذا العمل، فسألته لماذا أنت تكره المكان الذي من الممكن أن تبدع فيه، وتغير فيه، وتسهم في منظومة التطوير والابتكار التي تدعو إليها كل دوائر الدولة؟ فقال: لأنهم ظلموني في التقييم السنوي، فأنا أعمل وأقدم، وأخذ يعدد أفضاله وما قام به تجاه وظيفته..

فقلت له: إذا بقيت هكذا، وأدخلت في ذهنك، وربطك في قلبك أنك مظلوم، يعني ذلك أن الشيطان سيوصلك إلى إساءة الظن بهم بل ربما إلى كره هذا المسؤول، ثم سينتقل حالك من شخص نشيط إيجابي إلى شخص كسول سلبي، فقط تحلم بالنجاح دون واقع كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، ستقف في مكانك، ويتقدم عليك غيرك، وستقول كما يقول بعض السلبيين«المهم أستلم الراتب، ولا علي منهم»، لذا إذا أردت أن تنجح، أول خطوة عليك اتخاذها هي المسامحة، وإحسان الظن بهم، عليك أن تخلق عذراً لهم حتى ولو كان ضعيفاً، لأن هذا سيخفف عنك الغضب والحزن الذي بداخلك، ثم لا تتهم غيرك وتنسى نفسك، لا تقل هم ظلموني، ولكن قل ربما أنا قصرت، ربما أنا أهملت، ربما أنا فتحت لهم مجالاً في أنهم لم يروا ما قدمت من إبداع، ولاسيما أن التقييم إنما يبنى على مناهج واضحة.

تشهد لك أرقامك على حسب الأهداف المطلوبة لكل جهة، وهنا عندما تنظر فقط إلى نفسك ستهتم بالتغيير، وسيكون لك الحماس، والنشاط، ثم عليك أن تثبت لهم مدى نجاحك، اترك عملك هو الذي يرد عليهم.

فليكن لديك طموح وهمة عالية في النجاح، والتقدم، لا تنظر إلى عملك على أنه فقط مجرد وظيفة تكسب منها المال، بل عليك أن تفكر في مجتمع صار الإبداع عنوانه، والتحدي شعاره، والرغبة في تحقيق المراكز الأولى من أهم أهدافه، ابدأ مع نفسك صفحة جديدة، وسامح واعذر واصفح، لأنك لو سامحت ستحب المشاركة والتعاون، فالقلب إذا استقام استقامت الجوارح، والنفس إذا هدأت وأزالت السلبية، بدأت بالنشاط والحركة والتفكير السليم الذي هو الإيجابي.

وفعلاً في السنة التي تليها أخبرني أنه حصل على تقدير جيد جداً، فقلت له: لماذا لم تحصل على امتياز؟ اختباراً مني له بكيفية رده، هل سيقول ظلموني أم سيقول أنا ربما قصرت وسأصل إلى الامتياز؟ فقال لي: طلبوا مني ما يثبت أني أستحق الامتياز ووضعوا شروطاً، في الحقيقة أنا لم أصل إليها، ولكني خلال هذه السنة سأصل لأني عرفت الطريق، وعرفت من أين تؤكل الكتف كما يقال..

من هنا نفهم أهمية التسامح، ومسامحة الآخرين، وإحسان الظن بهم، وخلق العذر لهم ولو كان احتماله ضعيفاً، هذا التسامح النفسي الذي يجعل الشخص إيجابياً أينما كان، وأينما حل، وسيكون مثله كمثل من حمل شمعة بيده ودخل بها في قرية مظلمة، فصار الناس يستضيئون بها، فنفع نفسه ونفع غيره.

* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي