ما أًحيلى الحديث عن نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، سراجاً منيراً وإخوانه الأنبياء وكأنهم حوله كواكب يشتركون معه في بعض صفاته ومعجزاته، نور على نور، فهذا النبي كريم وهذا حليم وآخر أواب وهذا عليم فتجتمع هذه الخصائص المتفرقة في الأنبياء كلها في سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، على وجه التمام والكمال ما لم تجتمع في أحد من قبله ولا من بعده وزكّاه الله تعالى فقال ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
فلئن سبّحت الطير مع داوود، عليه السلام، فإن الحصى الصُّمّ قد سبّحت في كفه الشريف.
فالجذع حن إلى النبي محمد لما تحول عنه فوق المنبر.
وأما إبراء الأكمه والأبرص فإن نبي الله محمداً، صلى الله عليه وسلم، قد رد به عين قتادة بن النعمان إلى موضعها بعدما سالت على خده، فكانت أحسن عينيه، ولما دخل بعض ولده وهو: عاصم بن عمرو بن قتاده على الخليفة الراشد فقال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه.. فردت بكف المصطفى أعظم الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها.. فيا حُسْنَ ما عين ويا حُسْنُ ما خدّ
وإذا كان سيدنا عيسى عليه السلام، قد قال لبني إسرائيل :﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ (آل عمران 49) إنباءً بالغيب وكذلك قال يوسف الصديق للفتيين ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (يوسف 37)، فإن سيدنا محمداً، صلى الله عليه وسلم، قد أنبأ عن أمور ماضية وحاضرة ومستقبلة، فكانت طبقاً لما قال.
وعندما قال سيدنا إبراهيم ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات 99) قال الله لسيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى 7).
ووصف الله نبيه نوحا عليه السلام : ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ (الإسراء 3)، فقد وصف نبيه محمداً ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة 128).
وقد جمع هذه المعاني حسان زمانه جمال الإسلام الصرصري فأجاد :
محمد المبعوث للناس رحمــــــــــــــــــــــــــــــــــــةً
يشيِّد ما أوهى الضلال ويصلح
لئن سبَّحت صُمُّ الجبال مجيبــــــــــــــــــةً
لداود أو لان الحديـــــــــــــــــــــــــــد المصفح
فإن الصخور الصـــــــــــــــــــــــــــمَّ لانت بكفــــــــــــــــــه
وإن الحصــــــــــــــــــــــــــــــــــــا في كفــــــــــــــــــه ليُسَـــــــــبِّح
وإن كان موسى أنبع الماء بالعصا
فمن كفه قد أصبح الماء يَطفح
وإن كانت الريح الرُّخـــــــــــــــــــــــــــاءُ مطيعـــــــــةً
ســــــــــــــــــليمان لا تألو تروح وتســــــــــــــــــرح
فإن الصبـــــــــــــــــــــــــــا كانت لنصـــــــــــــــــــــــــــر نبينــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ورعبُ على شهر به الخصم يكلح
وإن أوتي الملكَ العظيم وسخِّرت
له الجن تشـــــــــفي مارضيـــــــــه وتلدحُ
فإن مفاتيـــــــــح الكنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوز بأســــــــــــــــــــــــــــــــــــرها
أتتـــــه فـــــــــــــــــــــــــــرَدَّ الزاهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد المترجِّـــــــــــــــــــــــــــح
وخُصّص بالحوض العظيم وباللواء
ويشــــــــــــــــــــــــــــــــــــفع للعاصين والنار تَلْفح
ولئن قيل ما أحَدُ أشفع لأحد من سيدنا موسى لأخيه هارونَ عليهما السلام إذ اغتنم لحظة المناجاة فدعا مُناجياً ﴿هَارُونَ أَخِي*اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي*كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً*وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ (طه 30-35)، فإن سيدنا محمداً، صلى الله عليه وسلم، قد ادخر دعوته وشفاعته لأمته يوم القيامة يحول بينهم وبين النار ويدعو الله لهم برفع الدرجات ولذلك لما نزل قوله تعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى 5) ربط النبي، صلى الله عليه وسلم، رضاه بإخراج أمته من النار.
ولما علم بعضهم أن تمام الرضا النبوي في شفاعته العظمى ادخرهُ نبي الرحمة لأمته استحضر حاله خائفاً وجلاً يُساقُ إلى النار وبئس القرار نادى النبي الرحيم قائلاً:
أترضى حبيبي أن تكون منعماً
ونحن على جمر اللظى نتقلبُ
ألم يرضك الرحمان في سورة الضحى
فحاشاك أن ترضى وفينا معذبُ
العقيم والصبا
إذا كان الله قد أهلك قوم هود بالريح العقيم ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (الذاريات 41)، فإن الله تعالى نصر سيدنا محمداً، صلى الله عليه وسلم، بريح الصبا ومن هنا قرن النبي، صلى الله عليه وسلم، بين هاتين المعجزتين فقال (نُصرت بالصبا وأهلكت عادُ بالدبور).
* أستاذ جامعي وإعلامي