«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء.

على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.

التسامح ينادي به الجميع، وترغب في تحقيقه كل أمة، يسعى إليه كل من يريد استقراراً وخيراً في مجتمعه، بل يعد من الأمور المهمة لمن أراد الصحة النفسية، ومن أراد الابتعاد عن كثير من القلق وتوابعه، كل أمة تعمل بالتسامح في أوقات السلم مهما أوغلت في الهمجية، ولكن حسن المعاملة في الحرب، ولين الجانب، والرحمة بالنساء والأطفال والشيوخ، والتسامح مع الأسير، لا يعرف إلا في دين الإسلام العظيم؛ إذ إن رؤية الدم تثير دماً، والعداء يؤجج نيران الحقد والغضب، ونشوة النصر تسكر الفاتحين، فتجدهم يعشقون الانتقام والتخريب في البلد التي قاموا بفتحها، لكن الإسلام علمنا التسامح حتى في الحروب، وهذا أعظم رد على هؤلاء الجهلة والحاقدين الذي ينسبون الإرهاب للإسلام، ويدَّعون أن ديننا دين قتل وتخريب، هيهات هيهات لما يزعمون، بل الأصل فيه التسامح والسهولة وجمع الكلمة، وتثبيت حقوق الآخرين، وحتى لو شرعت الحروب التي يضطرون إليها في بعض الأوقات تجد هذا الدين معتدلاً، ومحافظاً على حق الضعيف، ويعلم الفئة الغالبة الابتعاد عن الظلم.

من صور التسامح في الحرب عدم قتل النساء والشيوخ والأطفال، فكان النبي، عليه الصلاة والسلام، يوصي القادة كما جاء في حديث بريدة: «كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، وكان مما يقوله.. ولا تقتلوا وليداً» وفي رواية أخرى «ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة».

وأيضاً عدم قتل العبَّاد الذين عرفوا فقط بالعبادة وكف شرهم عن الناس، كما جاء في الحديث: «لا تقتلوا أصحاب الصوامع»، وأيضاً عدم التمثيل في الميت وتشويهه، فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التمثيل في الحرب، وجاء في القرآن خلق عظيم يبين لنا قيمة هذا الدين ومدى السماحة التي فيه، قال تعالى «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً» حتى الأسير الذي يتمكن منه المسلمون في الحرب علمهم ربهم أن يطعموه، سبحان ربي!

وقد ترسخت قيمة الوفاء في نفوس الصحابة الكرام، حتى إن أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، بلغه في ولايته أن أحد المجاهدين قال لمحارب من الفرس: لا تخف، ثم قتله، فكتب إلى قائد الجيش: «إنه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج "الكافر" حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع، يقول له: لا تخف، فإذا أدركه قتله، وإني والذي نفسي بيده!

لا يبلغني أن أحداً فعل ذلك إلا قطعت عنقه». هنا يتبين لنا حرص عمر بن الخطاب على الوفاء وذم الغدر حتى ولو كان في الحرب، إذ أنكر هنا أشد الإنكار على المسلم عندما أمَّن الكافر ثم غدر به فقتله، وكان الأحرى به أن يأخذه أسيراً ويطبق معه أحكام الأسير المعلومة في الدين، لذا جاء في الحديث الذي رواه ابن حبان وغيره وصححه بعض أهل العلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أمّن رجلاً على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً».

ولم تكن حروب المسلمين حروب تخريب وفوضى كحال بعض الحروب المعاصرة التي نسمع ونرى فيها التفنن والتفاخر بالاغتصاب وقتل الأطفال والنساء، بل وحرقهم، نسأل الله العافية، بل كانوا يحرصون أشد الحرص على الحفاظ على العمران في كل مكان ولو كان في بلد أعدائهم، كما جاء النهي في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن الخلفاء الراشدين.

* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي