إذا كانت تلك القاعدة الشافعية قد كشفت النقاب عن علاقة الأمة المحمدية بنبيها الكريم مقتبسة منها الأنوار أفراداً وعلى وجه المجموع فإن ثمة قاعدة أخرى أجل وأكبر تكشف عن مقام النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وبين إخوانه الأنبياء استنبطها الإمام الشافعي من القرآن الكريم إذا يقول «ما من خاصية أُعطيها نبي من الأنبياء إلا وقد أعطيت لرسوله، صلى الله عليه وسلم، ولكن على وجه التمام والكمال».
وقد تبارى العلماء في شرح هذه القاعدة حتى إن أبا الحجاج المزي– شيخ ابن كثير– قال: ما علمنا أحداً سبق الشافعي إلى هذا المعنى، وقد أطنب العلماء وأطربوا في شرحها، ومن أروعها تلكم المناسبة بين الحبيب محمد وبين الخليل إبراهيم، عليهما السلام.
1 ـــ قال الخليل ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء 82) فقال الله للحبيب ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (الفتح 2).
2 ــ وقال الخليل ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ*يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ (الشعراء 87) فقال الله للحبيب ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ*نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ...﴾التحريم8).
3 ـــ وقال الخليل عندما ألقي قي النار﴿حسبي الله ونعم الوكيل﴾ فقال الله للحبيب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال 64).
4 ـــ وقال الخليل ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ (إبراهيم 25) فقال الله للحبيب ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب 33).
5 ـــ وقال الخليل ﴿ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (الشعراء 85) فقال الله للحبيب ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرً﴾ (الكوثر 1).
6 ـــ وقال الخليل ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات 99) فقال الله للحبيب ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى 7).
ولا مرية في ذلك فإن سيدنا إبراهيم، عليه السلام، قد اختص بالخلة أما سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، فقد اتخذه الله حبيباً وخصه ربه بخصائص لم ينله من قبل نبي مرسل ولا أدل على ذلك من قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ (الأنعام 75) وقوله سبحانه ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ (النجم 90) فكانت رؤيته صلى الله عليه وسلم، بغير واسطة بينما كانت رؤية سيدنا إبراهيم عليه السلام بواسطة ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (النجم 9).
وقال تعالى عن سيدنا موسى، عليه السلام ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ (طه 39) وقال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران 31)، ودعا سيدنا موسى، عليه السلام ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (طه 25و26) فقال الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح1). وقال تعالى عن سيدنا ادريس، عليه السلام ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، فقال الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح 4).
وفي هذا المعنى يذكر أبو الحجاج المزي أن وفداً من بلاد المليبار– في الهند – قد زار بلاد الشام طلباً للعلم في القرن السابع الهجري وأخبروهم أن في بلادهم قصراً مشيد البناء مكتوب عليه بُني في ليلة أن شق القمر، وذلك أن الملك الهندي بينما يقوم ببناء هذا القصر إذ رأى شق القمر فأرّخ بناء قصره بهذا الحدث الباهر وبعد حين من الزمان أُخبر أنه معجزة ظهرت على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأبى إلا أن يشد رحاله إليه ولكنه وصل إلى المدينة وقد انتقل الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى فشرح الله صدره للإسلام وفي عودته إلى الهند مر على صلالة في عمان وفارق الحياة، ولا يزال قبره معروفاً فيها.
معجزات نبوية
المعجزات التي فرّقها الله على الأنبياء المرسلين من لدن سيدنا نوح إلى سيدنا عيسى عليهم السلام، فإنها قد اجتمعت في الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جميعاً على وجه التمام والكمال.
* أستاذ جامعي وإعلامي