«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
عند النظر إلى مقاصد وآثار التسامح تتبين لك أهميته وشرفه، فهو الشيء الذي يجعل الناس في خير وبركة وأمان واستقرار، وهو الأمر الذي يساهم في توطيد العلاقات مع الغير، وهو الخلق الذي نواجه فيه بعض التحديات المخربة التي تواجه المجتمعات في هذا العصر، والتسامح له صور كثيرة تندرج تحته، ومن هذه الصور إكرام الضيف، لأن الأمر بالتسامح يعني الحث والأمر بالأسباب الموصلة إليه أيضاً، وهذا يتوفر في موضوع إكرام الضيف، كونه يجمع بين الأحباب، ويقوي العلاقات، ويزيد من المحبة والألفة، وجمع الكلمة، لذا ضرب لنا الله في كتابه العزيز أروع الأمثلة في إكرام الضيف، وهي قصة إبراهيم مع ضيفه، كما في قوله تعالى: «هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين..» فقوله فراغ: أي مال إلى أهله خفية ليحضر الطعام لضيفه، ولم يشعرهم أنه ذاهب لإحضار الطعام، وهذا معنى راغ، وجاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».
إكرام الضيف عادة جميلة كانت العرب قبل الإسلام مشتهرة بها، ثم جاء الإسلام وأكد هذه العادة الجليلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وكانت العرب تعلي شأن من يكرم الضيف وتعده شريفاً ولو ضعف نسبه، قال ابن حبان في كتابه روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: «كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد وانقاد له قومه ورحل إليه القريب والقاصي لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام وإكرام الضيف، والعرب لم تكن تعد الجود إلا قرى الضيف وإطعام الطعام، ولا تعد السخي من لم يكن فيه ذلك، حتى إن أحدهم ربما سار في طلب الضيف الميل والميلين». وقال: «وإكرام الضيف يرفع المرء وإن رق نسبه إلى منتهى بغيته ونهاية محبته ويشرفه برفيع الذكر وكمال الذخر».
وقال الإمام النووي في شرح مسلم: «الأحاديث متظاهرة على الأمر بالضيافة والاهتمام بها وعظيم موقعها، وقد أجمع المسلمون بالضيافة وأنها من متأكدات الإسلام»، والضيافة لها آداب، ليس القصد منها الأكل فقط، بل بطلاقة الوجه وطيب الكلام، ومشاركته الطعام، وعدم التكلف في الطعام إلى حد الوصول إلى الإسراف، وعلى الضيف أيضا عدم إحراج أهل البيت، أو التعليق على الطعام، وعليه الدعاء أيضا لأهل البيت، كما دلت بذلك السنة النبوية.
وعلينا أيضاً أن نؤكد هذا الخلق الذي حققه أجدادنا وآباؤنا، حتى بات معروفا عن دولة الإمارات أنها بلد كرم وخير، وانتشر ذلك عن العائلات الطيبة التي تفتح مجالسها للضيافة واللقاء مع الأصحاب والأحباب، وهذا أكبر درس وأفضل تعليم نعلمه أبناءنا، يرون منا استضافة الناس وإكرامهم والتأدب معهم، نعلمهم أن يبقوا معنا في المجالس ويسمعوا ويتعلموا من كلام الرجال، ونعلمهم كيف يسهمون في تقديم الطعام «وصب القهوة والشاي» الذي هو من عاداتنا في بلادنا الحبيبة، وزد على ذلك أن هذا البيت الذي يزوره الناس يكون بيت بركة، وبيت خير، وكل من جرب ذلك ذاق حلاوة هذا الخلق. وقبل عدة أيام اجتمعت برجل عرف بالكرم والغنى، وقال: منذ أنا صغير والضيوف في بيوتنا ثم كبرت وتزوجت وصنعت مثل الصنيع، والآن أرى ذلك في أبنائي عندما تزوجوا واستقلوا في بيوتهم، وإنني أظن لو جاءتني البركة وزيد لي في مالي، إنما هو من أجل إكرام الضيوف وفتح مجالسنا لهم بصدر رحب.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي