كلما ودعت الدنيا– من أيامها– يوماً طويت من أيام العمر صفحة ربما تكون بيضاء ناصعة بالحسنات، وربما سوداء قاتمة بالسيئات، وآخرون وما أكثرهم خلطوا بين هذا وذاك ممن تاهوا في بيداء المسير.
ثمار العمر
واذا ما خلا المرء يوماً بنفسه واستعرض ما طوي من صفحات أمسه رأى بأم العين أن نصف العمر قد محقته الليالي، ونصف النصف ذهب ليس يدري لانشغاله بالمكاسب والعيال.. وما تبقى إلا الربع فليته قد مضى في طلب العلم وصالح الأعمال وإصلاح الحال.
أيام معدودات
ولكن من اعتاد أن يجول في رحاب القرآن متدبراً معانيه بعين بصيرة يجد أمراً غير هذا أو ذاك.. إنه يجد في ثناياه عجباً هنا وهناك.. والعجب كل العجب في رمضان!
أيام معدودات، إذا ما صام العبد هذه الثلاثين.. وأتبعها بستة من شوال، إيماناً واحتساباً، فكأنما صام عاماً كاملاً لأن الحسنة لما كانت– على الأقل– بعشرة أمثالها، فالثلاثون ثلاثمائة، والست تعادل ستينا فتلك سنة كاملة، يعوض بها العبد سائر أيام السنة.
حرمة الشهر
من هنا، فإن من انتهك حرمة رمضان، فيفطر فيه عامداً متعمداً فلن يعوضه صيام سنة، ومن ثم كان كمال هذا الشهر تماماً لهذه النعمة متمثلة في ليلة القدر التي حق لها أن تسمى (بليلة العمر) لأنها وإن كانت ليلة واحدة إلا أن وفور بركتها تعادل عمر الإنسان كله وزيادة، إذ تعادل أكثر من ثمانين سنة (ألف شهر) فإن كل ما مضى من أيام العمر ولياليه تستعاض في هذه الليلة، بل إن كل ما هو آت من العمر مما هو في طي الغيب يستمد من هذه الليلة تمام البركة لينشر عبقه الزمان بألوان شتى من الخير رصيداً في الحياة وبعد الممات.
منازل السعداء
إلا أن من الأعمال - عند الله- أعمالاً ترتفع بالعبد إلى منازل السعادة الأبدية التي تحصنه من الشقاء وتحيطه بأسوار تحميه من مزالق الشيطان، فإذا ما اقترب الشيطان منه أو كاد اتبعه سهماً راصداً.
صفوة الصفوة
ولقد نال هذه السمة وهذا الوسام أولئك الذين بايعوا النبي تحت الشجرة وأولئك الذين وقفوا معه ساعة العسرة، وكذلك أهل بدر الذين اطلع الله على قلوبهم فكتب الله لهم المغفرة. ومن نال من ليلة القدر حظاً نال من هذه السمة قدراً عظيماً.
دعوة مجابة
وقد قرن الله في كتابه الكريم بين رمضان واستجابة الدعاء فيه والعبد الصائم، وجعله سبباً للاقتراب كالصلاة سواء بسواء، لذلك فإن المولى عز في علاه، بعد أن ذكر آيات الصيام وشهر رمضان أعقبه بقوله الكريم ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ففي الصلاة حيث السجود، قال الله للعبد ﴿اقْتَرِبْ﴾ أي إليه سبحانه، بينما في الصيام قال عن نفسه العلية: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي إلى عبده، ولله در من اجتمع له قربان فقام بين يدي مولاه يصلي وهو صائم في رمضان. فاقترب إلى ربه وكان مولاه له قريبا. أما إذا اتبعها بصدقة سراً أو علانية أو أتممها بعمرة في رمضان وهي فيه كحجة، فكأنما اجتمعت له أركان الإسلام كرامة من الله ومنا.
ومن هنا كانت عقوبة التارك لهذه الفريضة المصر على التفريط فيها بعدا من الله، ويكله ربه إلى نفسه وهواه وذلك من علامة الخذلان.
تلاوة القرآن
إن من أجل الأعمال في رمضان والتي تضاف إلى الصيام وقيام الليل تلاوة القرآن، فحلاوة الصيام في رمضان لا تتم إلا بالقرآن تلاوة وتدبراً وعملاً.. فلا عجب أن يجد العبد بينه وبين القرآن في هذا الشهر خاصة صلة خفية، وكأنما جاذب يجذبه إليه قياماً وقعوداً.. وهذه العلاقة إنما تتجلى– أكثر ما تتجلى – في اختصاص هذا الشهر بنزول القرآن فيه.
* أستاذ جامعي وإعلامي