أورد أصحاب السير تراجم مستفيضة لنساءٍ برزن في زمانهن، معظمهن من المحدثات الفقيهات، والأديبات الشاعرات.. وكانت المرأة الفقيهة المفتية تجلس في المسجد للدرس والفتوى، يتعلم على يديها الرجال.

وفي بلاد (تركستان)، التي تمتد من نهري (سيحون وجيحون) الجاريين وراء الشاش، حتى حدود الصين وبلاد التبت- تقع مدينةٌ كبيرةٌ يقال لها: كاسان، فيها قلعةٌ حصينةٌ وعلى بابها (وادي أخسكيت). وكانت هذه البلدة ضمن خريطة شرقية واسعةٍ، أظلتها غمامة الإسلام الندية، فدخلت في دين الله آمنة مطمئنة، يسعى جميع أهلها المسلمون في مرضاة الله ونوره.

وفي بيتٍ من بيوتها، وفي كنف شيخٍ جليلٍ يعتبر من كبار فقهاء عصره، يدعى محمد بن أحمد السمرقندي، ويكنى بأبي منصور، وهو صاحب كتاب (تحفة الفقهاء) الذي يعد عمود الفقه الحنفي، ولدت فتاةٌ أسماها فاطمة.

الدكتور محمد إفرخاس، واعظ أول بإدارة التثقيف والتوجيه الديني يحدثنا عن مآثر هذه العالمة الجليلة:

فيما كانت الفتاة الجميلة الوليدة تترعرع وتكبر، كان أبوها العالم مشغولاً بوضع لمساته الأخيرة على كتابه العظيم في الفقه الحنفي (تحفة الفقهاء)، الذي أصبح بجدارةٍ وإحقاقٍ عمدة فقه الأحناف، ومجمع أطناب خيمتهم... فارتفع قدر السمرقندي بذلك درجاتٍ ودرجاتٍ، بعد أن زاد في تحفته على مختصر (القدوري) ذي الشهرة الفائقة.

ولكن العمل العلمي الذي نذر السمرقندي نفسه له، لم يكن ليشغله عن خاصة نفسه، وأمور بيته، فلم يكن الشيخ بالعازف عن مسؤولياته تجاه أهله، بل قام بالعناية بابنته خير قيامٍ، وأدبها أحسن أدبٍ، فكانت خير طالبة.

يقول الإمام عبد الحي اللكنوي في كتابه «الفوائد البهية»: «كانت فاطمة فقيهة علامة تفقهت على أبيها، وحفظت تحفته». كما أنها تعلمت الخط، حتى كان خطها معروفاً مميزاً، وأصبحت فاطمة بنت محمد السمرقندي أشهر فتاةٍ في (كاسان) علما وفهما وذكاء.

كان والدها يعرض عليها الفتاوى، التي تتضمن الأسئلة التي كانت تأتيه من أنحاء البلاد، ويطلب منها التعليق عليها، فكانت تعلق بخطها الجميل، وتوقع بعد توقيع أبيها على تلك الرقع، فلا تخرج الفتاوى معتمدة من عند السمرقندي إلا وعليها توقيعان: توقيعه، وتوقيع ابنته العالمة (فاطمة).

مطمع الخطاب

انتشر صيت فاطمة في تركستان كلها، حتى إن جماعة من ملوك بلاد الروم من المسلمين، وأمراء ذلك الزمان سعوا إلى أبيها، طلبا في يد ابنته فاطمة والقرب منه، فلم يكن ليجيب أحداً إلى ذلك! خاصة أنه لم يكن يستطيع مفارقة ابنته التي حملت علومه، وانطبعت فيها أخلاقه وشخصيته، فكان يعتذر إلى كل أولئك برفقٍ ويردهم بلباقةٍ، ويعود إلى بيته ليملأ ناظريه من ابنته التي أشغلها العلم عن كل شيء.

شرح تحفته فزوجه ابنته

كانت لأبيها السمرقندي حلقة يلتئم شملها كل يومٍ، تضم طلاباً للعلم، تميز منهم أبوبكر بن مسعود بن الكاساني، الذي لازم شيخه، واشتغل بالعلم عليه، وبرع في الأصول والفقه. وتفرغ التلميذ لشرح كتاب شيخه: «تحفة الفقهاء»؛ فلما أتم الشرح وراجعه عرضه على شيخه السمرقندي، بعد أن أسمى كتابه: (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع)، وهو عمدةٌ في الفقه الحنفي، ومن أحسن مراجعه ترتيبا للتدريس.

أعــجب السمرقــنـــدي بالــكتاب ومؤلفه إعجاباً شديداً، فزوجه ابنته فاطمة، وجعل الكتاب مهرها، فقال فقهاء عصره: «شرح تحفته، وزوجه ابنته»، واستمرت رقاع الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه، وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيعٌ ثالثٌ جديدٌ: هو توقيع زوجها الكاساني.

بعد الزواج

لم تكن من النوع الخامل، فلقد تصدرت فاطمة بنت محمد السمرقندي للتدريس والإفادة، فطلب العلم على يديها الكثيرون.

وكانت عاقلة عالمة ذات علم غزير ومعارف جمة، وكان نساء زمانها يستفتينها في مسائل الدين، ويقتدين بها في معضلات الأمور التي كانت تواجههن في حياتهن اليومية.

وذكر كثير من المؤرخين في مصنفاتهم ومؤلفاتهم أنها كانت وافرة العلم، تسأل عن دقائق المســـائل، وتتقن الفقه إتقاناً بالغاً، ومن العالمــات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

تنقلت فاطمة مع زوجها في الأمصار مسافراً إلى بلاد الروم، ثم إلى بلاد الشام، واستقرا في حلب الشهباء مجاورين للملك العادل نور الدين محمود، ومشاركين في خدمة المسلمين في دولة الأيوبيين.

وقد سنت فاطمة الفطر في رمضان للفقهاء بالحلاوية - وهي مدرسة من المدارس الشرعية الكثيرة في حلب، وكان لفاطمة بنت السمرقندي بها صلةٌ، وكان في يديها سواران أخرجتهما وباعتهما وصنعت بثمنهما الفطور كل ليلة، واستمرت هذه العادة إلى اليوم.