عندما ترتفع الشمس إلى كبد السماء، وينتصف النهار تهدأ أحوال الصالحين. فقد ودعوا رهبة الصُّبح وروعة ضحاه واستقبلوا ساعة جديدة تفتح فيها أبواب الرغبة والرجاء. إنها ساعة الظهر، ففي زاد المعاد: إن انتصاف النهار يقابل انتصاف الليل فبعد منتصف الليل يكون النزول الإلهي، يقول الباري، جل في علاه: هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه؟
صعود الأعمال
بعد منتصف النهار تفتح أبواب السماء، وترتفع الأعمال إلى الله؛ فهما وقت قرب ورحمة، تُفتَّح فيه أبواب السماء، وينزل فيه الله، تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، ومن هنا كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتقرب إلى مولاه في هذه الساعة بأحب الأعمال لربه.
وليس ثمة أفضل من الصلاة ومن الجهاد كما في الأحاديث الثابتة، وتلكما الفضيلتان من خصائص هذه الساعة العظيمة فقد كان الرسول يكثر من الصلاة فيها. وينهض إلى عدوِّه عند زوال الشمس فكان إذا لم يقاتل أول النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح فينزل النصر. وفي الحديث إنَّ مَن صلَّى قبل الظهر أربعاً وبعد الظهر أربعاً حرَّم الله لحمه وشحمه على النار. وهذه الأربع القبلية والبعدية عند بعض المحققين من العلماء، ليس المراد بها تلكم السنة المتممة لفريضة الظهر .. بل هي صلاة نافلة مستقلَّة تقابل نافلة قيام الليل.
الكلمة الجامعة
ومن هنا كان ابن مسعود رضي الله عنه يوصي بالنافلة في هذه الساعة ويقول: "إنها تعدل مثلهن من قيام الليل"، وتلك كلمة جامعة عظيمة نابعة عن فقه قلَّما يرقى إليه فهم، ولا عجب إذا وافق استنباط ابن مسعود فقه عمر الذي كان يوصي بهذه النافلة ويخص بها كل من تعود القيام وفاته لعارض أو لآخر فهو في حقه عنده أوكد وأثبت، ويتأسَّى الفاروق في هذه بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
دأب العارفين
ولا مرية أن ذلك كان دأب العارفين ولا تزال طائفة من السالكين يترقَّبون هذه الساعة العظيمة ليُشمِّروا عن ساعد الجد والاجتهاد يناولون فيها ملائكة الحساب أطيب العمل، لتعرج به إلى السماء، وقد تَفتَّحت أبوابها ثم يعودون إلى صاحبه بالرحمة والرضوان، ويتلقَّونه بالبشرى من عند الله ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
الحكمة أدباً وشعراً
وقد استعذب بعض الأدباء هذه الحكمة النبوية وصاغوها شعراً يرفعون بمعناه قدر ممدوحهم، فقد روي أن أحد الأدباء دخل مرة على الرشيد فدعا له بدعاء ظن فيه أنه لم يسبقه أحد إلى معناه، دعا له بقوله: جعل الله يومك خيراً من أمسك وغدك خيراً من يومك فردَّ عليه الرشيد بقول أعشى همدان:
رأيتك أمس خير بني معد.. وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غداً تزيد الخير ضعفاً.. كذاك تكون سادة عبد شمس
فلئِن أطنب الشاعر في ذلك، وأطرب فإنَّ حديث المصطفى أوجز وأعجز؛ فالعلم والعبادة قرينان كما قال تعالى عن سيدنا يوسف عليه السلام ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال عن نبيه موسى عليه السلام ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، فعلى الرغم من كونه عبداً مملوكاً إلا أنه كان من الذين بلغوا من المنازل الإيمانية أعلاها وأغلاها.
طائر الأشواق
لقد كانت أوقات العارفين محفوظة فلا تمضي ساعة إلا في قراءة أو ذكر أو علم أو عمل، كلما حلَّ بهم طائر الأشواق من عبادة ارتحلوا شوقاً إلى غيرها متذكِّرين قول النبي: "إن الله يحب المؤمن الحال المرتحل" وقوله: "مغبون من تساوى يوماه"
* أستاذ جامعي وإعلامي