لا يزال السالك إلى الله في محراب العبادة متنقلاً بين الأمل والرجاء.. فيلمح من بعيد أن الشمس قد آذنت بالشروق على هذه الدنيا.. فينقلب رجاؤها خوفاً ورغبة ورهبة.
فما سر هذه الرهبة؟ ولماذا تلك الخشية التي أرعدت الفرائص وأرجفت القلوب فاقشعرت منها الأبدان؟ إنها: ساعة الصبح التي علمنا القرآن أن نستعيذ بربها مما تخفي من شرور، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾.
قال ابن عباس: أي أعوذ برب الصبح إذا انفلق عن ظلمة الليل، وقد قرن الله- جل في علاه- بين ساعة الصبح إذا انفلق عن الظلام وقد طلعت شمس النهار بساعة الليل إذا أظلم وقد بدأ في سمائه القمر، وأمرنا سبحانه أن نستعيذ من شره فقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾.، ومن هنا قال علماء التفسير: إن معظم الرؤى الصباحية رؤى شيطانية، لا يضر صاحبها إذا استعاذ من الشيطان الرجيم.
الفتن الكبرى
إنها ساعة تقع فيها الفتن الكبرى التي تُعلم أن الدنيا قد أذنت بالرحيل، وأوشكت معالمها أن تنطمس بل تفنى وتزول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: (إن طلوع الشمس من مغربها يوافق الصبح وإن خروج الدابة على الناس في الضحى) قال ابن مسعود: (صبح يوم الجمعة).
فإذا كان السالك إلى الله لا يقنط من رحمة الله، فإنه لا يأمن مكره ـ سبحانه ـ فيستشعر جلال الله وجبروته ويستحضر تلك المواقف والفتن التي تختبر الناس في دينهم.. ولا يتوقف عند هذه الحال بل تتراءى أمامه أسرار الصبح ورهبة الضحى من خلال ما سطرته آيات القرآن الحكيم وتكررت في كتاب الله مراراً.
لحظة العقاب
ولو تدبر الآيات التي ذكرت الصبح والضحى متدبر، لرأى أمراً عجباً.. لرأى أنها هي الساعة التي ينتقم فيها الله- جل في علاه ـ من أولئك الذين قامت عليهم الحجة، لكنهم ظلوا في غيهم يعمهون.. وفي ضلالهم يعيثون وأعرضوا عن ذكر الله.. فيأتي أمر الله بهلاكهم في ساعة الضحى: ساعة العذاب والانتقام.
بين الساعتين
ومن هنا فإن القرآن الحكيم يقرن بين هذه الساعة ساعة الضحى وساعة الليل وقد اشتد ظلامه والناس نيام، ذلك لأن وقت الضحى يخرج الناس لمعاشهم وأمور حياتهم، يترك الأب بيته وأهله ويذهب الحارس إلى مزرعته والعامل إلى معمله واللاهي إلى ملهاه.. كل في شغله أو في هواه، بينما الليل إذا اشتد ظلامه وغزى سلطان النوم الأعين وأوى كل امرئ إلى فراشه يتقلب في الدثور، وقد فارق كل حبيب حبيبه وودع كل قيس ليلاه، حتى أن الأم تذر وليدها في المهد مستسلمة لسلطان النوم، وفي هذه اللحظات وقد عم الوجوم أرجاء الوجود كل يقلب في ليل السكون والغفلة.. عندها إذا نزل العذاب كان الهول عظيماً، لا مفر منه ولا ملجأ وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
الاقتران بين الوقتين
هذا أحد أسرار الاقتران بين ساعة الضحى وقت المعاش وساعة الليل وقت المنام، فإن الله جل في علاه يقول مقرناً بين هذين الوقتين: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ*أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ*أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
نجاة المؤمنين
إن الله إذا جاء مرة بالعذاب سبقه أمره بنجاة المؤمنين، قال جل في علاه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ*إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾. وتلاه بقوله الكريم: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وكذلك يقول الله عز وجل عن قوم لوط: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ*فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴾
* أستاذ جامعي وإعلامي