إذا كان القرآن قد قرن في آياته المسطورة المتلوة بين الأمن والرزق في مواضع متعددة ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ فإن المولى سبحانه قرن بين آلائه المنظورة المجلوة بين هاتين النعمتين.
آية الرزق
ولقد عرفنا أن من أسرار السَّحر هو الأمن فأين ياترى الرزق في آيات الله الكونية الذي يأتي مقترناً بالأمن، إنها في قول الله تعالى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى. وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هكذا يربط القرآن بين تعاقب الليل والنهار، وتوالي الأيام بنهارها المبصر الزاهي وليله الساكن الداجي، يربطه بحقيقة الإنسان وسر وجوده على هذه البسيطة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾.
في خضم الحياة
وفي خضم أعباء المعيشة والسعي وراء هذه الدنيا يعتري الإنسان ظلام الغفلة فينسى تلك الغاية التي من أجلها جاء إلى هذا الوجود، ومن رحمة الله بالإنسان أن جعل له ما يوقظه من غفلته قبل أن يقوده هذا السبات إلى نوم عميق. وإذا ما تأمل متأمل في كتاب الله وجد في ثنايا الآيات القرآنية ما يثيبه إلى رشده ويوقظه من نومه من خلال استحضاره لتلك الأسرار العجيبة التي أودعها الباري في ساعات اليوم والليلة. فلكل ساعة خصيصة تستقل بها عن أختها يتنقل الإنسان في معانيها وتحمله من جو إلى جو ومن سر إلى سر وهو أمام هذه المشاهد يتقلب بين خوف من عذاب الله في دنياه وفي آخرته، وبين شوق إلى رحمته ومغفرته وحنين إلى لقياه.
أهل الفجر
فعندما يبزغ الفجر ببصيص أنواره وبكور ثماره تهبط ملائكة السماء يطوفون الأرض بنواحيها ويجوبون أرجاءها، فإذا مروا على قوم ما زالوا في أسر نومهم مقيدين وفي لذته غارقين، وقد سبقتهم إليهم الشياطين أعرضوا عنهم وطاروا إلى حيث أهل الفجر وقد استعدوا لهذا اللقاء: لقاء أهل الأرض بأهل السماء، فألسنتهم بالذكر لاهجة بين تال للقرآن وداع للرحمن، وقائم يصلي، وذاكر يقول: سبحان الله.
فعلى هؤلاء تهبط الملائكة، ومن فرط حبها لهم تضع عليهم أجنحتها قائلة: أبشروا فقد نزلت عليكم السكينة وغشيتكم الرحمة ثم يسارونهم بنبأ جد سار: (وقد ذكركم الله عنده كما ذكرتموه لأن الجزاء عند ربكم من جنس العمل، ولذكر الله أعلى وأكبر) هنا ترتقي مشاعرهم وتطير أرواحهم إلى هناك حول العرش تسبح بحمد الله وتقول: استغفر الله ثم تطير بهم فرحاً في رياض الجنان كأنهم يتناولون من قطوفها الدانية أجمل الثمار.. ثم يعودون من حيث رحلوا وقد امتلأت قلوبهم بالطمأنينة والثقة بالله، ويواصلون المسير يرتقون مدارج العبودية، كلما قطعوا مرحلة وذاقوا حلاوتها وجمالها جذبتهم الأشواق وحملتهم من جديد إلى مقام أعلى وأعظم.
وما هي إلا لحظات وكأنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه إلى السماء متضرعاً إلى الله، وقد غشيته أنوار الفجر وهو يناجي الباري بقوله: (اللهم بارك لأمتي في بكورها، وفجأة وكأنهم بالنبي الكريم وقد وجه وجهه الكريم تلقاء أصحابه مبشرا يداعب السرور محياه وقد أشرقت شمس الابتسامة في سماء وجهه وسناه مبشراً باستجابة الدعاء. الحمد لله الحمد لله.
بركات ربانية
إنها ليست بركة واحدة بل هي والله بركات تهب رياحها الطاهرة على هؤلاء، أهل الفجر الذين طرحوا عن أنفسهم دفء الدثور وأعرضوا عن لذيذ الفراش، وأجابوا نداء المنادي: حي على الصلاة.. حي على الفلاح. إنها ساعة تنزل فيها بركات الرزق من السماء، رزق في العلم، وفي الإيمان، وفي العمر وفي البدن.
أسرار الفجر
للفجر أسرار لا يعرفها إلا من عاشها وتذوق لذة المناجاة ليلاً؛ فمن أراد العلم فعليه بالفجر، ومن أراد الرزق فعليه بالفجر، ومن أراد الإيمان فعليه بالفجر، ومن أراد القرآن فعليه بالفجر، وهذا هو سر بعض أسرار الاقتران بين الفجر والسَّحر.
* أستاذ جامعي وإعلامي