من بين الفتية الذين تَلَقَّوْا دروسهم الأُولى من مدرسة النبوة: شابٌّ من القادة الشجعان، لم يدركْ الجاهلية، عُرِفَ بخصاله الحسنة، وشمائله الكريمة.. لَاقَى النبي ,هو بعد طفل، فاكتسب صحبته، وهو صغير، وكان من حلفاء الأنصار.

إنه البطل المقدام، والأسد الهمام، الصحابي الجليل: سَمُرَة بن جُنْدُب، ويكنى أبا سليمان، وقيل: أبو سعيد..

النشأة

عن نشأة وخصال ومكانة هذا الصحابي الجليل، يحدثنا الدكتور محمد إِفِرْخَاس، واعظ أَول بإِدارة التثقيف والتوجيه الديني، يقول: نشأَ سمرة في ديار الأنصار، فَتَطَبَّعَ بأَخلاقهم الطيبة، وسجاياهم الكريمة، وخصالهم الرفيعة.. ذلكم أَن أُمَّهُ قَدِمَتْ به بعد موت أبيه، فتزوجَها رجل من الأنصار اسمه: مري بن شيبان بن ثعلبة، وكان سمرة في حِجْرِه إلى أن صار غلاماً.

شهد الجميع لِسَمُرَةَ بالكرم والشجاعة، والوقوف بحزم لكل من أخطأ في حَقِّ الإسلام، والكيد له أَو لأَهله.

روى ابن عبد البر عن محمد بن سيرين قال: "كان سمرة عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله". وَيعرِّفه الذهبي في تاريخه فيقول: له صحبة ورواية وشرف.

الشجاعة

حَرِصَ الفتيان والشباب من الصحابة على أن ينالوا شرف الغزوات، لأنهم لم يتربوا على الدلال المفرط، والانطوائية القاتلة، بل شاركوا في بطولاتٍ منقطعة النظير، وأسهموا بكل طاقاتهم في النصر الذي وعد الله به المؤمنين.

وكان رسول الله يستعرض غلمان الأنصار كل سنة، فَمَرَّ به غلام فأجازه في البعث، وعُرِضَ عليه سمرةُ بَعْدَهُ فَرَدَّهُ، فقال سمرة: لقد أجزتَ هذا ورددتني، ولو صارعته لصرعته! قال: "فدونكه"، فصارعه فصرعه سمرة، فأجازه. وكان ذلك يوم أُحد... إنها شجاعة نادرة لم يقو عليها كثير من الرجال.

الذكاء والحفظ

أَكرم الله تعالى سمرة بحافظة عجيبة، وذكاءٍ نادر، فاستغلَّ هذا الذكاء وتلك الحافظة خير استغلال، حيث سخَّرها في حفظ أَحاديث المصطفى، فكان من الصحابة المكثرين عنه.

فعن عبد الله بن بريدة: عن سمرة قال: كنتُ غلاماً على عهد رسول الله ، فكنتُ أحفظ عنه، وما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسنّ مني، ولقد صليت مع النبي على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها في الصلاة وسطها.

وهذا شاهد صريح في ضرورة التأدب مع الكبار، فلا يتقدم بين أيديهم من هو دونهم، إذا كانوا أولى منه بالعلم والحفظ والرواية، فإذا قُدِّرَ للإنسان أن يعيش بعد ذلك فإن الناس يحتاجون إليه، ويأخذون عنه.

وقال الحسن: تذاكر سمرةُ وعمرانُ بن حصين، فَذَكَرَ سمرةُ أنه حفظ عن رسول الله سَكْتَتَيْن: سَكْتَة إذا كَبَّر، وسَكْتَة إذا فرغ من قراءة "ولا الضالين". فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، فكتبوا في ذلك إلى المدينة، إلى أُبَيّ بن كعب، فكان في جواب أبي بن كعب: إن سمرة قد صدق وحفظ.

الغزوات

غزا سمرة مع رسول الله غير غزوة! وسكن البصرة.. وكان زياد بن معاوية يستخلفه على البصرة إذا سار إلى الكوفة، وعلى الكوفة إذا سار إلى البصرة، وكان يكون في كل واحد منهما ستة أشهر.

الوفاة

لما مرض سمرة مرضه الذي مات فيه أصابه برد شديد، فَأُوقِدَتْ له نار، فجعل كانوناً بين يديه، وكانوناً خلفه، وكانوناً عن يمينه، وكانوناً عن يساره، فجعل لا ينتفع بذلك، ويقول: كيف أصنع بما في جوفي؟ فلم يزل كذلك حتى مات!

إنه لموقف رائع من سمرة في يوم وفاته، وهو موقف ما أحرانا في هذه الأيام أن نتعلم منه، وأن نخاف من الله، ونعمل ليوم تشخص فيه الأبصار.

هكذا مضى سمرة منذ أربعة عشر قرناً، ولا زالت منجزاته مسطرة في الدنيا إلى آخر الدنيا، حيث تعلمنا منها أن حقيقة مرحلة الشباب أن يلتقي اكتمال الجسم برشد العقل ونضجه، ومنها ينطلق الشابُّ في مراحل عمره القادمة يصنع الخير والسعادة لنفسه ومجتمعه وللعالم أَجمع.