لقد أوتي الصديق أبوبكر - رضي الله عنه - فقهاً دقيقاً يختلف في منهجه وأسلوبه عن كثير من فقهاء الصحابة إن لم تكن مدرسة مستقلة فريدة في وجوه الاستنباط القرآني ولا أدل على ذلك من موقفه من مانعي الزكاة إنكاراً وجحوداً فما كاد الصحابة الكرام يُسلمون أمر الأمة إلى الصديق لخلافة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعينهم تفيض دمعاً لفراقه عليه السلام، باغتهم الصديق أمراً أن يسلوا السيوف من أغمادها ويجهزوا الجيش لقتال أولئك العرب الأعراب الذين أنكروا الزكاة فريضة شرعية ولم يكتف الصديق بالأدلة من السنة الشريفة اقناعاً لمن عارضه وعلى رأسهم عمر الفاروق فخلا بنفسه يستلهم الله العلي القدير شآبيب رحمته وآفاق هدايته، فأخذ يقلب عين البصيرة في آيات الكتاب آية فآية حتى اهتدى إلى السر المكنون والكنز الثمين فخرج إلى الصحابة مبيناً بفقه رشيد ورأي سديد بعدما ظفر بضالته في قوله تعالى: «قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون» (الفتح 16).
إعلام بالغيب
إن هذه الآية إعلام بالغيب وإخبار بقتال هؤلاء المرتدين والمنكرين لفرضية الزكاة لأنها نزلت بعد غزوة تبوك، والآية الكريمة تخاطب أولئك الأعراب الذين تخلفوا عن القتال مع الرسول بأنهم سيُدعون قريباً إلى قتال قوم أولي بأس شديد فما عليهم إلا أن يلبوا النداء، ويستجيبوا لداعي الحق وذلك في مستقبل قريب لأن تعبير (ستدعون) إشارة إلى سنوات معدودات، فالسين للمستقبل القريب بينما (سوف) للمستقبل البعيد، واعلم الأمة بهذا المعنى هو سيدنا الصديق عندما راهن في مكة أحد العرب بهزيمة الفرس في بضع سنين لقوله تعالى «ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين» (الروم 1و2)، لكن لماذا لا يكون المراد بها الإنباء بجيش أسامة بن زيد الذي جهزه الرسول الكريم قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى.
يؤكد ابن حزم الأندلسي أن هذه الآية الكريمة لا تنبئ بجيش أسامة لأنه كان متوجهاً إلى الروم وهم من أهل الكتاب الذين لا يخيرون بسن الإسلام والقتال!! «تقاتلونهم أو يسلمون»؟! كلا وإنما الإسلام أو الصلح «الجزية»، أما هؤلاء الأعراب المرتدون فلا يقرون على ردتهم مقابل دراهم معدودة يدفعونها جزية ومصالحة وإنما لا خيار لهم إلا الإسلام أو القتال.
مآثرولما انتقل النبي الكريم إلى الرفيق الأعلى وظن الأنصار أنهم أحق بقيادة هذه الأمة واحتجوا على ذلك بمآثرهم وكل أدلى في هذا الأمر بدلوه حتى آل الأمر إلى الصديق الذي يستشهد بكتاب الله حجة وبرهاناً ويربط آياته تنزيلاً على الواقع مستنبطاً منها جلي المعضلات ورأب صدع المشكلات، فقالت الأنصار لقريش: منا أميرٌ ومنكم أمير، فارتقى المنبر وتوجه إلى الأنصار بعدما أثنى على الله بما هو أهله ومصلياً على الحبيب وآله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فأقرت الأنصار بذلك وسلموا الأمر لقريش ورأوا أن الذي قال خطيب قريش صواب.
واستشهد بآيات من القرآن الكريم، فقال: لقد سماكم الله في كتابه الكريم بـ«المفلحين» فقال سبحانه: «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (الحشر 9)، أما نحن المهاجرين فقد سمانا الله بـ«الصادقين».
استنباط
تميز أبو بكر الصديق بجودة الاستنباط في كتاب الله بسلاسة ويسر لاسيما في المواقف الحاسمة التي تكون فيها الأمة على مفترق الطرق يتطلعون إلى سراج منير يستضيئون به توحيداً للكلمة ونبذا للفرقة والاختلاف ولله در الصديق أبي بكر الذي ألهمه الله قولاً فصلاً.
وأوتي الصديق حجة بالغة واستنباطاً من القرآن الكريم غاب عن بال كثير من الصحابة.
* استاذ جامعي وإعلامي