التسامح خلق شريف وطبع لطيف، وألطف ما يكون بين الزوج والزوجة، فإن الشخص الذي يتصف بهذه الصفة يكون كريم المعشر، حسن المخبر، طيب النفس، يبش في وجه شريك حياته، يدخل على أهله وأسارير وجهه منبسطة، يظهر ذلك في حديثه وفي حركاته، إلى أن يشيع هذا الخلق في البيت كله، ويظهر على سلوك الأهل والولد.
ولا شك أن الزوجين يحتاجان إلى الرفق واللطف والعفو في حياتهما الزوجية حتى يتحقق الهدوء والاستقرار والسعادة بينهما مصداقا لقوله عز وجل: «ولا تنسوا الفضل بينكم»، أي أن ظهور المشكلات الزوجية لا يعني البتة موت العلاقة، وإنما يستدعي النظر إلى ايجابيات كل منهما، تذكر جميل ما صنع معك وما قدم، يجعلك تنظر إلى من هم أقل منك حالاً وأصعب منك معيشة وأشد منك مصيبة، فتحمد ربك على النعمة التي أنت تتقلب فيها.
ولا بد أن يتعاون الزوجان على مجابهة ضغوطات الحياة، وهذا يحتاج إلى سعة الصدر من كليهما، وحرصهما على سد الثغرات في حياتهما ليكمل كل واحد منهما الآخر، كما قال عز وجل في وصف الحياة الزوجية وجعلها آية من آيات الله: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون»، ولا يمكن النظر إلى الزواج وتقييمه أنه زواج ناجح إلا إذا اجتمهت فيه عوامل التماسك والاستقرار، والتي من أهمها التسامح والعفو، فمن منا معصوم من الخطأ، فـ«كلنا خطّاء وخير الخطائين التوابون»، كما قال رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولا ينبغي أن ينظر الزوجان إلى مسألة العفو والمرحمة على أنها نوع من أنواع الضعف، بل هو من نضج التعامل من مؤسسة الأسرة على أحسن تقويم، والحرص من الجانبين على استمرار هذه المؤسسة الإنسانية لتثمر أبناء وبنات على قدر المسؤولية الاجتماعية المطلوبة منهم.
جاءني قبل عدة أيام شاب، وطلب مني أن أقدم له نصيحة قبل زواجه في كيفية التعامل مع زوجته، فقلت له دون تردد: كن رفيقا هينا سهلا مسامحا، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تكثر اللوم والعتاب، ولا تضيق عليك بيتك، اقنع بشريك حياتك، واسأل نفسك، ما هو غرضك من الزواج؟ وما هي الإنجازات التي تحاول تحقيقها مع شريك حياتك؟ عند إجابتك لهذين السؤالين ستفهم حقيقة الحياة الزوجية، وأنها حياة مليئة بالإنجازات إذا أشركت معك شريك حياتك، واعتبرت أن وجودك معها من المفترض أن يطول، لأن الزواج ميثاق غليظ، جعل الله فيه السكن والمودة والرحمة، عليك أن تسعى في تحقيقها، وصدقني لن تتحقق دون أن يكون التسامح منهجا لك وخلقا تتخلق به في بيتك.
سئل أحد السلف، من أزوِّج ابنتي؟ فقال: زوِّجها التقي، إذا أحبها أكرمها، وإذا أبغضها لم يظلمها.
هكذا يفعل التسامح بأهله، أنه حتى لو كره الزوج زوجته ورفض الاستمرار معها لم يظلمها، لأن التسامح ضد الظلم، وضد الاستبداد، وضد الكيد والمكر، وضد الكراهية والانتقام.
وصاحب التسامح يكون قدوة لأبنائه في احترام الآخرين والإحسان إليهم، وإدخال السرور عليهم، ثم يكبر أبناؤه على هذا الخلق ويعتبرونه جزءا من حياتهم، لأن والدهم كان يحث على ذلك قولا وفعلا.
كنت قد التقيت بأحد الشباب من أبناء البلد، وهو من المحبين والمشاركين في توزيع الوجبات للصائمين، وسألته منذ متى وأنت تفعل هذا ؟ فقال: منذ أن بدأت أعقل وأنا أذكر ذلك من والدي، كان يأخذني معه لتوزيع الطعام وأحيانا يفتح باب بيتنا ليطعمهم، فبقي هذا في بيتنا حتى بعد موت والدي، رحمه الله.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي