يُعرف في ديوان الفقهاء بأنه سلطان العلماء، القائم بالمعروف الذي لا يخاف في الله لومة لائم، ويعرف في سجل العارفين بالعالم الورع المتواضع صاحب المواعظ التي لانت لها قلوب المتجبرين والمتعالين.. إنه عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن المهذب الشيخ الإمام العلامة عز الدين السلمي.
نقف عند نفاصيل حياة هذا العالم مع الدكتور عبد الحليم حسن كبير وعّاظ في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، حيث يقول عنه:أصله من المغرب، وولد في دمشق ونشأ فيها وأخذ من علمائها، وروى عنه ابن دقيق العيد وقال فيه شيخ الإسلام كان من سلاطين العلماء، فقد كان عالي الهمة، بعيد النظر في فهم العلوم، ودرّس وأفتى وصنف وبرع، حتى بلغ مرتبة الاجتهاد وكان قائماً بالمعروف، لا يخاف في ذلك كبيراً ولا صغيراً.
تحلى عالمنا بالعديد من الصفات الجليلة وأبرزها: الورع، الذي يتجلى في هذه الحادثة التي وقعت له في مرض موته، حيث أرسل له الظاهر بيبرس، وقال له: عيّن مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يستحق ذلك، ومن صفاته الزهد، فقد كان زاهداً حقاً، لم يجمع من الدنيا إلا القليل، ومنها الكرم، فقد كان باسط اليد جواداً بما يملك طمعاً في الأجر والثواب، والتواضع، فعلى الرغم من هيبته عند الملوك ومكانته فقد كان متواضعاً مع جميع الخلق، وبالإضافة إلى الهيبة، فقد كان يهابه السلاطين والكبار، وعرف بذلك في دروسه ومواعظه التي ظهرت آثارها على المتجبرين والمتعالين.
مواقف
لسلطان العلماء العز بن عبد السلام مواقف خالدة، منها أنه لما تحالف الصالح إسماعيل مع الفرنجة ضد ابن أخيه نجم الدين سلطان مصر، وسلّم للصليبيين قلعة صفد والشقيف وصيدا وأباح للفرنج دخول دمشق، أفتى بتحريم بيع السلاح لهم ووقف على منبر الجامع الأموي شارحاً لذلك وقطع الدعاء للصالح، فبلغ ذلك للصالح فعزله ومنعه من الفتوى، فخرج من دمشق إلى مصر، وأرسل إليه الصالح أن يعتذر ويقبّل يده ليعود إلى مناصبه، فانتفض قائلاً: يا مسكين لا أرضاه يقبل يدي والحمد لله على ما عافاني مما ابتلاكم به. وصار الصالح يفتخر بما فعل به من عزل وسجن وإهانته وذكر ذلك لملوك الفرنج فقالوا له: لو كان هذا قسيساً لغسلنا رجليه وشربنا ماءها.
ومن مواقفه: حكمه على أمراء المماليك بالرق المستصحب لهم إلى أن يثبت عتقهم الشرعي، وكان ذلك سبباً لهجرته من مصر إلى الشام، فخرجت مصر عن بكرة أبيها خلفه حتى علم السلطان بذلك وخاف زوال ملكه لذلك. فركب إليه واسترضاه حتى نادى عليهم وباعهم وقبض ثمنهم، وصرفه في وجوه الخير.
ومن المواقف المشهودة للعز أنه لما انخفضت الأسعار للبساتين في دمشق، جاءت زوجته بمصاغها له وقالت اشتر لنا بستاناً، فأخذ المصاغ وباعه وصرفه على المساكين، ثم رجع فسألته زوجته اشتريت لنا بستاناً، فقال: نعم ولكن في مكان آخر، فقالت أين؟: قال في الجنة. قالت: جزاك الله خيراً.
ومنها أنه لما استشير في أخذ شيء من الناس لمقاتلة التتار لأن الخزينة لا تكفي قال لهم: أَخرجوا ما عندكم جميعاً من ذهب وحلي ومصاغ وبيعوه فإن لم يكفِ اطلب القرض من الناس.
قال عنه التاج السبكي: شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها، لم يُرَ مثل نفسه ولا رأى من رآه مثله علماً وورعاً وقيماً في الحق وشجاعة.
لقد عاصر العز بن عبد السلام دولة الأيوبيين في مصر والشام بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي وتنازع أبنائه على الحكم مع عمهم الملك العادل والذي انتهى بسقوطها، كما عاصر دولة المماليك في مصر والشام، اشتغل بالتأليف والتدريس والخطابة.. إنه حقاً أحد سلاطين العلماء، رحمه الله، وجعل الفردوس الأعلى مثواه.