تقول المجاهدة والمفكرة والروائية والإعلامية ووزيرة الشؤون الاجتماعية ثم وزيرة التربية الوطنية في عهد الرئيس الجزائري الاسبق الشاذلي بن جديد مطلع ثمانيات القرن الماضي الدكتورة زهور ونيسي، في هذه الدردشة الصريحة مع "البيان"، إنها لا تكشف سرا عندما تقول إنها أول جزائرية تكتب الرواية باللغة العربية في وطن ظلت لغة الضاد فيه من المحرمات بقوة القانون لأزيد من قرن و30 سنة كاملة.  وتضيف ونيسي التي تكتب أيضا إضافة الى أعمالها الأكاديمية، الرواية والقصة والمسرح، أن أفضل أعمالها على مدار عقود من الزمن كانت وما تزال في الفترات الصباحية من ايام الشهر الفضيل.

  وتعد المرأة التي فتحت لنا قلبها، أول مجاهدة في الثورة الجزائرية، تحمل وسام الاستحقاق الوطني وتتقلد مناصب عليا ثقافية واجتماعية وإعلامية وسياسية، وأول امرأة تترأس وتدير مجلة "الجزائرية" النسوية، وأول جزائرية يعهد إليها بمنصب وزاري، حيث تولت حقيبتي الشؤون الاجتماعية والتربية الوطنية واختيرت عضوا بالمجلس الشعبي الوطني في الفترة من 1977 إلى 1982 ثم عضو مجلس الأمة "الغرفة العليا في البرلمان" بين 1997 إلى 2003 وفوق هذا وذاك، فالمرأة أديبة كبيرة لها قرابة 10 مجموعات وهي من الجزائريات اللائي يحتفظن بفضل المثقفين العرب. 

وتكشف زهور ونيسي حصريا لـ"البيان"، أنها انتهت في رمضان الماضي من كتابة مذكراتها التي ستصدر في رمضان الجاري  تحت عنوان: "عبر الزهور والأشواك، مسار امرأة"، وهي السيرة الذاتية التي تتضمن تصويرا دقيقا لحياتها منذ الطفولة في حي "السويقة" الشعبي العريق بعاصمة الشرق الجزائري مدينة العلم والعلماء ومدينة الإمام العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الجزائرية المعاصرة ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إلى غاية تتلمذها على يد والدها الذي كان طالبا من طلبة ابن باديس.

ثم التحاقها بالثورة التحريرية المباركة واستقلال الجزائر وبعدها عودتها إلى الجامعة التي انقطعت عنها في العام 1956 بسبب إضراب الطلبة وبعد التخرج شاركت في تأسيس جرائد ومجلات ناطقة بالعربية قبل أن تصير وزيرة التربية الوطنية، ثم مرحلة تورطها كما تقول، في الكتابة حول حياة العلامة عبد الحميد ابن باديس، وهي ورطة حقيقية أن تكتب عن أحد  أهم أعلام الأمة الإسلامية والعربية في القرن العشرين، فالكتابة عن ابن باديس أرغمتها على قراءة أزيد من 600 كتاب ومخطوط ومؤلف تناول حياة الرجل، وأكثر من ذلك آلاف الصفحات على شبكة الانترنت فضلا عن تنقلها مرتين الى فرنسا خصيصا لذلك.  

وكان تورطها في الكتابة عن ابن باديس، فأل خير حيث أوصلها الى حقائق عظيمة ومبهرة وهي، أن والد ابن باديس الذي كان نائبا في البرلمان الفرنسي، ومن شدة خبث وجبروت الاستعمار الفرنسي عاقب ابنه بمنعه من جميع حقوقه في الميراث، لأنه تمسك بحركته الإصلاحية النهضوية المناهضة للاستعمار الفرنسي.

وبخصوص ابن باديس تقول إنها انتهت من كتابة سيناريو عن حياة الرجل وقد يحول الى مسلسل ضخم حول العلامة عبد الحليم ابن باديس.    وبخصوص الشهر الفضيل، تلتقط الدكتورة ونيسي أنفاسها وتقول، إنها على غرار آبائها وأجدادها، تشرع قبل أسبوع من حلول شهر الخيرات كما تسميه، في تحضير كل الاحتياجات الضرورية الخاصة بموائد الإفطار، مع الحرص على عدم التبذير والإسراف عند جلب الاحتياجات.  وتضيف أن رمضان ومنذ وصوله الى فصل الصيف، أصبحت تفضل قضاءه مع عائلتها في منطقة "الشريعة" السياحية الواقعة في أعالي مدينة البليدة جنوب العاصمة الجزائر بحوالي 50 كم.

وتستطرد المتحدثة أن أول ليلة لاستقبال الشهر تقضيها العائلة في قراءة القرآن ثم السحور، لتنهض في الساعات الاولى من اليوم للكتابة، وهنا تحرص على القول إن أفضل ما تكتبه يكون في هذه الأوقات، أي في صبيحة ايام الشهر الفضيل، مستغلة روحية الزمان الذي تستغله لختم القرآن 3 مرات.   وقبل صلاة الظهر، تقوم بتحضير الإفطار.

وتشير الدكتورة الى ان  مائدة الإفطار يستحيل أن تخلو من أطباق "الفريك" القسنطيني و"البوراك" و"الحميص" القسنطيني أيضا، وهي الأطباق التي تلتف حولها العائلة كلها، وهنا لا تتوانى  ونيسي في القول إنها بمثابة حبة العقد الفريد بالنسبة لعائلتها وحتى بالنسبة لأخواتها.  ولا تنسى الدكتورة زهور ونيسي التي بلغت الآن  سن الـ75 عاما، العودة الى مكتبتها لتتفحص بعض الكتب التي لم تقرأها لتستغل الشهر الفضيل لقراءتها أو العودة الى ثنايا كتب مر زمن طويل على قراءتها، كما تحرص على توجيه رسالة للجيل الحالي من الشباب العربي بالقول: "إنكم أبناء أمة ذات أمجاد عظيمة فلا تنساقوا وراء إغراءات العولمة الهدامة".