رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن.. هذه المعاني الجليلة هي الثمرات المرجوة بأن يخرج بها المسلم من مدرسة الشهر الفضيل، بعد أن تهيأ لاستقباله كما تتهيأ النفس لاستقبال أعز غائب يتنظر.
ومنذ دخول هذه المدرسة الكريمة على الصائم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة، فكذلك فيه تهيئة للنفس لتطهيرها من رذائل المعاصي، بالعزم على البعد عنها وسلوك الاستقامة فيه حتى لا يكون فيه المرء من الغافلين، وهذه النية الصالحة تجعل من يتلبس بها كأنه مؤدياً لعبادة الصيام إن أدركه الموت أو العذر، فإن نية المؤمن خير من عمله.
الصيام لغة الإمساك مطلقا، وفي لسان الشرع: إمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنيَّة.
وقد خاطب الله تعالى عباده بشأنه بخطاب لم يكن مثله في سائر العبادات، حيث قال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ومعنى كتب: فرض، فذكرُ صيام مَن قبلنا للإشعار بأن هذه الفريضة هي من الشرائع القديمة وضعا، وإن اختلفت شكلا ومضمونا، فقد فرض الله تعالى الصيام على الأمم السابقة من غير أن يفرض عليهم شهرا محددا، بل أياما يختارونها فكانوا يزيدون وينقصون، حتى حرفوا وبدلوا وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، أما هذه الأمة فقد اختار لها مولاها سبحانه الصيام زمانا وعددا، ليميزها بمزيد الفضل وكبير الأجر، فاختار لها صيام شهر رمضان فقط فقال سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة: 185] وإنما اختار لها هذا الشهر؛ لأنه سيد الشهور، ولأن فيه مناسبتين عظيمتين:
الأولى: أنه شهر تنزل القرآن الكريم، وهو كلام الله تقدست أسماؤه، الذي هو أفضل كتبه، ومعجزة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو دستور شرعه لعباده.
والثانية: أن فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فلذك جعل فيه الأجر مضاعفا، النافلة فيه كالفريضة في غيره، والفريضة فيه بسبعين فريضة فيما سواه، فهو امتنان من الله تعالى على هذه الأمة المرحومة.
وذكر صيام من قبلنا فيه تسلية لنا بأن هذه سُنَّته في خلقه، بتشريع الصيام على من كان قبلنا حتى لا نستثقل هذه العبادة العظيمة، لكونها تغالب رغبات النفس، وشهواتها، و لم يكتف سبحانه بهذه التسلية الكريمة، حتى رغبنا فيه أيضا بالإشارة إلى أن هذا الشهر هو قليل بجانب الشهور الأخرى، فهو شهر من اثني عشر شهرا، ولذلك عبر عنه بقوله سبحانه: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] أي قلائل، كجمع القلة، لأن أيام المرء ولياليه في هذه الدنيا هي أيام قلائل، مهما طال العمر وتعددت السنون، فما بالك بشهر واحد، فإنه يمر كلمح البصر.
وكذلك بالتخفيف في أدائه، فلم يجعله كالصلاة لا بد من أدائها على أي حال كان المسلم، صحيحا أو مريضا، مقيما أو مسافرا، آمنا أو خائفا، بل جعله فرضا على الصحيح المقيم، دون المريض أو المسافر كما قال سبحانه {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] فقد عذر الله تعالى هؤلاء المرضى والمسافرين والعاجزين عن أدائه في وقت هذه الأعذار، وأباح لهم أن يفطروا ويقضوا مكانها أياما أخر، بحسب تيسره عليهم.
وأما كبار السن والمرضى المزمنين فقد عذرهم الله تعالى بتاتا، وندبهم للانتقال إلى فدية طعام مسكين عن كل يوم، وهذا من تيسير العبادة وتخفيف الله على عباده، ومن رُخصه التي يحب من عباده الترخص بها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تُؤتى رخصُه كما يحب أن تترك معصيته».
وقد بين سبحانه وتعالى أن غاية الصيام هي التقوى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تشجعا عليه وحملا على الرغبة فيه، وعدم السآمة منه، فهو ترشيح من الله لعباده لنيل هذه الدرجة التي هي من أعظم المنازل عند الله تعالى، والتي هي سبب لقبول الأعمال، وذلك لأنه يصقل قلب المؤمن بمراقبة الله تعالى في السر والعلانية، فيكون قلبه أهلا لنظر الله تعالى وتجلياته عليه كما صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
كما أنه يذكِّر المرء بالجوعى الآخرين الذين لا يجدون ما يأكلون، فهم كالصائمين لكن لا على سبيل العبادة بل اضطرارا للفاقة والفقر، فيستشعر المرء نعمة الله عليه، ويقدرها حق قدرها، ويشكر الله تعالى عليها.
ومع ذلك فإن للصيام فوائد صحية كما روي «وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا».
* مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي