على أرض الإمارات يلتقي جميع البشر تحت مظلة التعايش، ويتنسّمون أريج التناغم، يتعاونون لبناء الحضارة وتكريم الإنسان، في منهج اختزله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بقوله: «أكثر ما نفاخر به الناس والعالم عندما نسافر ليس ارتفاع مبانينا، ولا اتساع شوارعنا.
ولا ضخامة أسواقنا، بل نفاخرهم بتسامح دولة الإمارات.. نفاخرهم بأننا دولة يعيش فيها جميع البشر على اختلافاتهم التي خلقهم الله تعالى عليها بمحبة حقيقية وتسامح حقيقي..
يعيشون ويعملون معاً لبناء مستقبل أبنائهم، دون خوف من تعصب أو كراهية أو تمييز عنصري أو تفرقة بناء على لون أو دين أو طائفة أو عرق».. نقف في حلقات يومية مع سنابل من نور التعايش.. خيرها يعانق السماء.. وبرّها حديث الروح.
«لكل طفل الحق في الانتماء إلى عائلة يشب فيها على الحب والاحترام والأمان هو حق مكتسب وحياة مليئة بالأمل» تلك هي رؤية الأسترالي هيلموت كوتين الرئيس الفخري لقرى الأطفال العالمية «sos» التي تتخذ من المدينة العالمية للخدمات الإنسانية في دبي مقراً إقليمياً لها تنطلق منه أنشطتها.
حيث يشير إلى أن «sos» تلبي نداء الأطفال الأيتام في المنطقة انطلاقاً من دبي. وتظهر الأدلة بوضوح أن الغالبية العظمى من الأيتام يعيشون مع جدّة لا تزال على قيد الحياة، أو مع شخص آخر من أفراد الأسرة، ويتجاوز 95 في المائة من جميع الأطفال اليتامى خمس سنوات من العمر.
ويوجد في العالم 132 مليون طفل بحاجة إلى أسرة جديدة، أو مأوى، أو رعاية، فالطبيعة الإنسانية تقتضي أن ينشأ كل طفل ضمن عائلة، فمن بين أكثر من 132 مليون طفل يُصنفون بأنهم أيتام وفقاً لمنظمة اليونيسف العالمية، حيث فقد 13 مليون طفل فقط كلا والديهم.
هوية عالمية
ويؤكد هيلموت كوتين أن المدينة العالمية للخدمات الإنسانية في دبي تدعم منظومة عمل قرى «sos»، كما يعبر دائماً عن انتمائه الكامل لكافة شعوب الأرض من دون النظر إلى هويته الأصلية وجنسيته.
فقد أمضى حياته متنقلاً حول العالم بحثاً عن أشخاص يشاركونه بذور العطاء ومد العون للأطفال لفظتهم الحروب بقسوة الحرمان ووصمتهم بالوحدة ووجع الفراق من دون أمل، حملت في أسفاري الكثير من هموم الأوطان المتأرجحة بين الحرب والسلام.
وبمساندة قرى الأطفال نجحنا في توفير عائلات حاضنة تتضمن الأطفال المحرومين من نعمة السلام ودفء العائلة والتي تأتي في مقدمة احتياجات الطفل اليتيم وأولوياتنا في قرى الأطفال منذ تأسيسها، فهو يحتاج إلى مخالطة الآخرين وعدم اعتزالهم، حتى يشعر بأنه جزء من الناس الذين ينتمي إليهم، وليس بغريب عنهم.
أطفال الحروب
ويقول كوتين لقد شهدت في حياتي على الكثير من المآسي، أسوأها كان بالطبع في فيتنام حيث بقيت لسبع سنوات ثم في روندا وبوروندي خلال المجازر الجماعية، وعاينت العام الماضي للمرة الثالثة الأوضاع الرهيبة في جنوب السودان.
وعشت لعدة أعوام تحديداً فظاعات الصومال التي تمر بأوضاع دراماتيكية منذ سنوات طويلة، وأتمنى أن يعي الكبار، أخيراً، ويدركوا بأن الحروب لا تساعد على بناء مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا، فمهمتنا رعاية الأطفال الذين فقدوا آباءهم.
أو حيث خذلهم والدوهم وتأمين بيئة آمنة يشعرون معها بأنهم في كنف عائلة. لذا لم أعتبر يوماً أني أنتمي لجنسية وحيدة. لا بدّ يوماً من أن نوحد الجهود وننظر إلى بعضنا البعض على أننا إخوة وأخوات، وإلا لن ينعم العالم إطلاقاً بالسلام الذي ينبغي أن يبدأ من أصغر وحدات المجتمع، التي هي العائلة.
ووفقاً للإحصائيات العالمية يعاني الأطفال في أكثر من 50 بلداً مشتعلاً بالحروبِ والنزاعات ِالأهلية، أغلبها في أفريقيا وآسيا أخطاراً محدقة، قتل مليونا طفل، وأصيب 6 ملايين طفل بإصاباتٍ بالغةٍ أو إعاقاتٍ دائمة، و10 ملايين طفل أصيبوا بأمراضٍ نفسية وعصبية من جراءِ العنف، الذي شاهدوه خلال الحروب التي مروا بها.
كما حرمت الحروب ما يقارب 28 مليون طفل من حقِهم في التعليم. 110 ملايين طفل أقل من 15 سنة انضموا إلى لائحة أيتام الأب والأم بحلول منذ سنة 2015، ويشكلون 15% من مجموع أطفال العالم.
عطاء إماراتي
ويقول كوتين: إن الفلسفة التي تقف وراء مبادرة عام الخير التي أعلنها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله تدفعني إلى القول بكل ثقة واطمئنان، إن هذه المبادرة جاءت في وقتها تماماً وسوف تكون لها نتائجها الكبرى، محلياً وعالمياً. حيث ترسخ لمفهوم العطاء الذي يحتاج إلى تفان وصيانة مكتسباته من كافة أفراد المجتمع
ولا شك في أن هناك نماذج إماراتية رائعة قدمت وتقدم خدمات جليلة على مستوى العالم من دون أن تنظر إلى ما تأخذه أو ستأخذه في المقابل، وتهدف مبادرة عام الخير إلى تعميم هذه النماذج وتحويلها إلى سلوك وطني عام ورسالة سلام ومحبة لكافة بقاع الأرض.
قرية العائلة
ويضيف كوتين: أتينا إلى دولة الإمارات بصفة مستشارين ندعم ونعمل كفريق متكامل الخطط والرؤى إلى جانب الهيئات المحلية التي ترعى بشكل مباشر قضايا الطفل وحقوقه لتكثيف كافة الخدمات والمبادرات ذات الصلة.
ومنها توقيع اتفاقية مؤسسة الأوقاف وشؤون القصّر في دبي اتفاقية مع منظمة قرى الأطفال (sos) الدولية للاستفادة من خبراتها في إدارة مشروع «قرية العائلة»، المخصص لرعاية الأيتام.
حيث ترعى المنظمة ما يقارب 2.2 مليون طفل وبالغ من خلال ما يزيد على 2100 برنامج في 134 بلداً ومنطقة حول العالم، وهو ما حفز المؤسسة على التعاون المباشر معنا في إدارة (قرية العائلة).
والتي تطبق كافة الإجراءات اللازمة لتحسين السياسات والممارسات التي تؤثر سلباً في حياة هؤلاء الأطفال، وعائلاتهم، ومجتمعهم وهي اليوم تعد بيتاً حقيقياً لأكثر من 100 يتيم في دبي، الأيتام ومساعدتهم، وتوفير الفرص التعليمية والعناية النفسية والصحية والغذائية، وسيوفر أمهات بدوام كامل وشامل لكل مجموعة من الأيتام، للوقوف على رعايتهم، ليصبحوا في المستقبل أبناء فاعلين في المجتمع.
رمضان الخير
ويؤكد كوتين: عندما نكون فريقاً واحداً، ونتبادل المعارف والخبرات ونعمل سوياً، فإننا نستطيع إيجاد أنجح الحلول وأكثرها تأثيراً للعديد من المشكلات والتحديات الصعبة التي تواجه الأطفال الأيتام،. وقد رغبنا في الوقت عينه في تحفيز الناس هنا لمدّ يد العون لنا كي نقوم بدورنا بمساعدة الأطفال المحتاجين في البلدان الأكثر فقراً.
وآمل أن يساعد شهر رمضان الفضيل الناس على إدراك وجود الكثير من الأطفال ممن يعانون ويلات الحرب والكوارث الطبيعية، وأن لا مكان لديهم في هذا العالم يلجؤون إليه على الإطلاق. لقد عدت للتو من سوريا، ولا بد من القول إنه لا يحق لأي بالغ هناك القول إنه لا يشكل جزءاً من الأوضاع المزرية.
ولا يمكن لوم أي طفل على ما يجري، ولا سيما أعمال القتل غير المبررة أو المجدية سعياً للسلطة، ولا بد من فعل ما بوسعنا لدعم الأطفال وتأمين ملاذ آمن لهم على أخوة التراب.
ويوضح كوتين: إن المبدأ المتبع في قرى SOS يقوم على مفهوم العائلة حيث مجتمع من الإخوة والأخوات ترعاهم أم في منزل موجود داخل قرية. ويعني ذلك بالتالي أن طفل «إس أو إس» يبقى ابنها مدى الحياة. لذا فإن أبناء القرى يعودون إلينا دوماً، ولا سيما لأمهاتهم ويوحدون الجهود كإخوةٍ وأخوات على ممرات الحياة خارج القرى.
ومن الأهمية بمكان لنا عدم وجود حدود للعمر أو قواعد. الأمر ببساطة يرادف العودة للمنزل حيث نتشارك أوقات الفرح والحزن كأي عائلة. وتفخر قرى «إس أو إس» بعودة أبنائها إليها وقد حققوا بعض الإنجازات في الحياة، علماً أنه يوجد بعض ممن لم يستطيعوا مواجهة الحياة في الخارج، لكننا لا نتخلى عنهم أو نستسلم فنحن عائلتهم.
الأم البديلة
يرجع الفضل للدكتور هيرمان جومينر في تأسيس هذا المشروع الإنساني في أمست في النمسا عام 1949 والمنتشر اليوم في معظم دول العالم وتقوم فكرة هذا البناء الاجتماعي على نظرية الأم البديلة .
حيث يجمع الأطفال الأيتام وفاقدي العائل في قرى جماعية بها بيوت مستقلة تقوم على وجود أم بديلة وأبناء وبنات إخوة ويمثل مدير القرية أباً للجميع وأثناء إجازة الأم البديلة تحل محلها الخالة ويحيا الأطفال حياة طبيعية ويتعلمون في المدارس ويلتحقون بالجامعات.