دي فارتيما لودفيكو، هو رَحَّالــة إيطالــي قرر ذات يوم من أيام 1502 أن يغادر مدينــة البندقية متجهاً إلى مصر، وفي خيالــه مئات الأفكــار لهذه الزيــارة الأولى من نوعها إلى مكة والمدينة. فقد شد رحاله إلى دمشق، فمكة المكرمة التي وصلها في رفقة قافلة حجاج. وكان يعمل حارساً لها.
وبعد مغامرة في بلاد فارس وجزر الهند الشرقية والحبشة ومــوزمبيق عــاد فارتيما إلى روما فــي الفترة بين عامي 1558 و1559، حيث أصــدر كتابه الذي يعد الوحيــد من نوعــه المكتــوب بلغــة أوروبية عن الجزيرة العربية آنذاك. وظل هذا الكتــاب الغربي عن جزيرة العرب وحيداً في أوروبا حتى عــام 1704 حين نشر الرحالة الإنجليزي جوزيف بتس كتابه، وقد تسمــى باسم الحــاج يوسف.
مساكن مصر أكثر من روما
يقول فارتيما:
«إن الرغبة التي دفعت الآخرين لمشاهدة دول العالم المختلفة، هي نفسها التي دفعتني للقيام برحلاتي هذه. ولما كانت كل البلدان مطروقة على نحو كبير بالنسبة لشعبنا، فقد فكرت أن أرى البلاد التي لم يرها أهل البندقية، أو لم يترددوا عليها كثيــراً. ولذا نشرنا أشرعتنا في يـــوم ذي ريح مواتيــة، طالبين من الله المساعدة، وأسلمنــا أنفسنا للبحر، وعندما وصلنـــا للإسكندرية، أحد (موانئ) مصر تطلعــت لكل جديد. ولأن الإسكندريــة معروفـــة للجميــع فسرعان ما غادرتها إلى القاهـــرة عن طريــق النيل».
وعند وصوله إلى القاهرة قال دي فارتيما:
«وجدتها ليست كبيرة جدّاً كما أخبرتنا التقارير، إلا أن بها مساكن أكثر من روما كما أن سكانها أكثر عدداً».
ومن مصر أبحر فارتيما إلى بيروت التي قال: «إنها تبعد مسافة 500 ميل». ومكث بها بضعة أيام، وقال عن بيروت: «إنها مدينة مزدحمة جدّاً بالسكان المسلمين، وتزخر بالبضائع المختلفة ويضرب البحر بأمواجه في سورها».
غادر فارتيما بيروت إلى طرابلس وقال: «إن الرحلة إلى طرابلس استغرقت يومين»، قال عنها:
«إن كل سكانها مسلمون». ومن طرابلس ذهب فارتيما إلى حلب في رحلة قال إنها استغرقت ثمانية أيام. وقال عنها: «إنها مدينة جميلة. وإنها سوق لسوريا وتركيا وتخضع لسلطان مصر».
الجندي يونس في الحج
أمضى هــذا الإيطالي زمناً في دمشق يتعلّم اللغة العربيـة، ويدرس طبــاع أهلها، ويسير معهم على ضفاف «بردى» كما فعل ابن بطوطة قبله بقرنين. وتعــرف دي فارتيما هناك إلى «أمير الحج» الذي وافق له على السفر مع القافلة تحت اسم «يونس» الجندي الهــارب إلى خدمة المماليك. أول الرحاليـن هو الإيطالي لودفيكو دي فارتيما الذي قدم للجزيرة العربية عام 1503، وزار المدينة المنورة ومكة المكرمة، ليصدر بعدها كتابه «رحلات فارتيما» تحدث فيه عن المدينتين المقدستين، والمسجدين الشريفين.
وقد اشتـهر فارتيمــا بحب المغامــرة والاندفاع، ولم يعــر وصف الأماكن جغرافياً اهتمامــاً يُذكر، بل لم يُعط وصفاً دقيقاً لمكة والمدينة، ولا لممارسة الشعائر الدينية، إذ كان شغوفاً بوصف الأشياء الغريبة التي حصلت له في رحلة الحج ما أوقعه في مشاكل عدة مع السلطات والناس. ومن جدة غادر بحراً إلى عدن التي وصل إليها بعد مرور عامين، وقضى فيها مدة قبل أن يبارحها إلى الهند بعد قضاء عشرة أشهر في الجزيرة العربية.
جمال دمشق لا يوصف
من حلب ذهب إلى دمشق في رحله قال «إنها استغرقت عشرة أيام» توقف في منتصفها في مدينة حماة. فلما وصل فارتيما إلى دمشق مكث بها عدة أشهر تعلّم خلالها اللغة العربية. وعن دمشق قال: «إنه لا يمكنه وصف جمالها»، وقال: إن سكانها من العرب والمماليك والمسيحيين اليونانيين، وأن حاكمها يتبع لسلطان القاهرة.
وتحدث عن قلعة دمشق وقال: «إن من بناها هو مملــوك من فلورنسا». وقال: «إن هذا المملوك كان حاكــم (دمشق) وقتها». وتحدث فارتيما عن دمشق بإسهاب.
وفي عدن حُكم على فارتيما بالإعدام وأُلقي في السجن، لكن عقوبة الإعدام بقيت من دون تنفيذ، وبعد 25 يوماً في السجن خرج وسط هتافات تطالب بقتله. فنقل للمثول أمام السلطان في قرية تدعى «الرضة»، حيث تظاهر بالجنون، فتُرك يعود إلى عدن، حيث استقل باخرة متجهة إلى الهند.
جدة في ذاكرة فارتيما
دي فارتيما لودفيكو كان يعمل لحساب ملك البرتغال، الذي موّل رحلته، والذي قدّم له نائبه في الهند براءة الامتياز والفروسية، وضمّه لجيوشه المحاربة أحياناً، لذلك فإن بعض المصادر تشير إليه على أنه رحالة برتغالي، تماماً مثل كولمبس الذي تعارف الناس أنه رحالة إسباني مع أنه مــن أصول إيطالية.
وصف مدينة جدة وأهلها قائلاً: «لا يحيط بجدة سور، وإنما هي محاطة بمنازل في غاية الجمال، كالمعتاد في إيطاليا، لذا لن نغرق كثيراً في وصفها. إنها مدينة مزدحمة جدّاً لأن عدداً كبيراً من المسلمين يأتون إليها. وعندما وصلت إلى هذه المدينة، دخلت بسرعة مسجداً كان يوجد به 25 ألف فقير على الأقل، وانزويت في أحد أركانه ومكثت فيه أربعة عشر يوماً».
الأرض التي لا تنبت
ويضيف: «ولا تنبت الأرض شيئاً في جدة، وثمة ندرة شديدة في المياه العذبة، ويلطم البحر جدران المنازل. وكل أنواع الضروريات متوافرة هنا، إلا أنها تُجَلبُ من القاهرة واليمن ومن أماكن أخرى».
ثم يستطرد فارتيما قائلاً: «وفي نهاية اليوم الرابع عشر، اتفقت مع ربان سفينة كانت مبحرة إلى فارس، إذ كان في ميناء جدة نحو مائة سفينة بين كبيرة وصغيرة. وبعد ثلاثة أيام غادرت سفينتنا مبحرة في البحر الأحمر». وقال عن البحر: «إنه ليس أحمر، مياهه كمياه أي بحر آخر. وقد أبحرنا في هذا البحر طوال النهار وحتى مغيب الشمس، فالإبحار فيه ليلاً غير ممكن. وكان هذا دأبنا نبحر نهاراً ونرسو ليلاً حتى وصلنا لجزيرة كمران التي تقع بين جزيرة فرسان وعدن».
وبيّن فارتيما «أن السبب الذي جعل الإبحار ليلاً غير ممكن هو وجود عدد كبير من الجزر والصخور، ومن الضروري أن يكون هناك دائماً في أعلى الصاري رجل ليستطلع الطريق، وهــو أمر لا يمكن حدوثه ليلاً. لذا فقد كان بالإمكان الإبحار نهاراً فقط». وترك لنا وصفاً مكتوبــاً سجله في كتابه «رحلات فارتيما» باعتباره وثيقة مهمة لا تخلو من دلالات تاريخية على أقل تقدير.
أول كتاب عن جزيرة العرب
كتب أحد النقاد أن وصف الرحالة الإيطالي «فارتيما» للمدينة المنورة يتسم بعدم الموضوعية، لأنه مكث فيها أربعة أيام فقط، وهي مدة غير كافية لإعطاء صورة كاملة وشرح تفصيلي عن المدينة وساكنيها، لأن معظم معلوماته مستقاة من بعض مرافقيه الجهلة، أو لكثرة الخرافات التي انتشرت في ذلك الزمان، وكذلك لضعف خلفيته المعرفية بالإسلام.
كان الغرض من الرحلة هو تشويق القارئ الأوروبي، وجعل رحلته تتسم بشيء من المغامرة. وهي رحلة طويلة في مسارها، ولكنها موجزة في معلوماتها، بما فيها تلك التي ذكرها عن جازان الساحلية التي لم يزر سواها من أجزاء المنطقة، فقد أظهر دي فارتيما المدينة التي مكث فيها ثلاثة أيام للتزود بالمؤن اللازمة، على نحو رائع حينما يصفها بأنها ميناء جميل على ساحل البحر الأحمر، وأنه وجد به خمساً وأربعين سفينة من بلاد مختلفة، والمدينة على حد قوله: تمثل منطقة مثمرة جداً ذات منظر خلاب، يوجد بها عنب، وخوخ، وسفرجل، ورمان، وثوم، وبصل، وجوز، وبطيخ، وورود، وأزهار، وتين، ويقطين، وأترج، وليمون، وبرتقال حامض، ولكل هذا فهي فردوس. يضاف إلى ذلك ما ذكره فيها من وفرة في اللحوم والغلال، والشعير والذرة البيضاء التي يصنع منها خبز جيد، لكنه لم يفصّل في وصف مينائها، وأسواقها، ومعالمها العمرانية.