الفن عالم من الأشكال والألوان والأنماط، لا يختص به مجتمع ولا يقتصر عليه عصر، يشكل معالم العيش.
في زمن الندرة والكفاف كان الفن حاضراً بتلقائية وفطرة، يحيك للنساء حياتهن ويؤملهن بالغد.
فتيات الأمس صرن اليوم جدات وأمهات. تحدثنا أم محمد، وهي تتربع على ستة عقود، متأملة أحفادها الخمسة، تنظر إلى ألعابهم وتستذكر ألعابها وقريناتها ذات عمر تركته خلف الأيام.
تعلنين استياءك من بعض المشاهدات اليوم، فماذا تقولين ولو من خلال مشاهداتك الأسرية على الأقل؟
الحقيقة، هناك الكثير مما يستحق التناول والحديث فيه، لكن تستثيرني بعض الألعاب اليوم التي أحاول أن أفهم دروسها وفائدتها لأولادنا لكن يصعب علي إدراك ذلك.
ولماذا الألعاب بالذات؟
ربما لأننا مشدودون بالحنين إلى عصر عشناه ونحن في مرحلة التشكل أو التزود بالخبرات التي أصبحت اليوم ذكريات، وحين نرى أولادنا وأحفادنا يمرون بالخبرات نفسها ولكن بمعطيات مختلفة نتوقف ونقارن.
كيف، وبماذا تقارني.. حدثينا؟
الواقع لو سمحتم لي سأتحدث عن ألعابنا نحن الفتيات في الماضي، وكيف تعلمنا منها وأمدتنا بكثير من المهارات وحتى التقاليد.
وما هي تلك الألعاب؟
الِحيا!
وكيف كنتن تلعبنها؟
هي ليست لعبة بالمعنى الدقيق ولكن قد تكون أسلوباً أو ربما نظاماً للعب. والِحيا عملية تدريب واقعي. فكما كان للصبية ألعابهم كان لنا ألعابنا الخاصة، ومنها الحيا. وهو عبارة عن دمى. وتبدأ العملية بدمية، وقد تكون نموذجاً لفتاة أو لفتى. والبقية تأتي.
وماذا تعنين بالبقية ومن هي؟
الدمى بالطبع، والصديقات بالضرورة تالياً.
هل كنتن تحصلن على الدمى ببساطة؟
لا ليست بتلك السهولة، فهي قليلة، لكن بعضنا تشترينها من الباعة الجوالين أو من السوق وذلك من نقود العيدية، والبعض تأتيهن من صوغة الأهل والأقرباء الذين يأتون في الصيف إلى الإمارات قادمين من الكويت والسعودية وقطر، فكانت هداياهم عبارة عن لعب وثياب لكن اللعب وهي العرائس والعقود والأساور للبنات، و(السياكل) الدراجات والسيارات و(التفاقة) البنادق والمسدسات وكلها لعب طبعاً للأولاد، كانت الأثمن والأجمل من جملة الهدايا، وكنا نتنافس نحن الفتيات فيما بيننا، حيث (نتزامط) من لعبتها أجمل أو أكبر، وكانت عرائس شقراء جميلة، ونسميها في ذلك الوقت (صورة وجمعها صور) وكانت عزيزة علينا ونطلق عليها أسماء، وكانت أكثرنا تباهياً تلك التي لها خالة أو عمة تعيش في إحدى دول الخليج، حيث تنهمر الهدايا في الصيف، فتشتعل المنافسة و(الخكة) أي التباهي والفشرة بيننا، وتبدأ المساومة والاستعارة.
وما هو نظام الاستعارة؟
كنا إما نتبادل الدمى، أو نستعيرها من بعضنا، لأن نظام (الِحيا) عبارة عن دمية تتصورها الفتاة طفلتها، وتقوم بالاعتناء بها كإطعامها وتحميمها وتمشيطها، والحديث معها بحركات تمثيلية، كما كنا نقوم بخياطة ملابس لها، وترتيب فراش للنوم، ثم بعد ذلك تصنع لها غرفة لتسكن فيها ثم تضيف لها دمية أخرى فتشكل ثنائياً، فإن كانت الدميات إناثاً تستبدلها بدمية صبي من رفيقتها، وهنا تتحور الفكرة وتبدأ عملية البناء، والدميتان يشكلان زوجاً وزوجة، وهما يحتاجان سكناً وأثاثاً وأدوات شخصية ومنزلية، وغيرها، وهكذا تستمر المسألة.
نفهم من ذلك أنكن تتعلمن مهارات عملية؟
نعم نحن كذلك، فنحن لكي نحصل على ثياب للدمية ننتظر أمهاتنا أو جاراتنا بعد أن ينهين الخياطة نطلب القصاصات المتبقية من الأقمشة، ونقوم بأنفسنا بتفصيلها وخياطتها، وبذلك تعلمنا التصميم والتفصيل والخياطة وتنسيق الألوان. وكنا نصنع بيتاً إما من الكرتون أو من الخشب ونجهزه بكل شيء، فنتعلم كيفية التصميم الهندسي، وكيفية الاعتناء بالبيت، وكل ذلك من صنع أيدينا.
تريدين القول ان ألعابكن زمان ذات أبعاد تربوية وتعليمية؟
بالتأكيد، فأنا وصديقاتي كل منا لديها حيا خاص بها، وحين نلتقي ببيت أحد الجيران (بمعية أمهاتنا) وخاصة في العصر، تحمل كل منا كرتونتها وهي بيت الدمى (الحِيا) ونتحلق ونتصور أن الدمى تقوم بزيارة الجيران ونتكلم كما لو كانت الدمى تتحدث، ونخترع موضوعات تتناقش بها الدمى، حتى أنها تقدم واجب الضيافة (الفوالة) لبعضها، ولم نكن ننسى حتى حظائر الحيوانات كنا نضيفها للمنزل. كنا في ذلك نقلد أهالينا طبعاً، ولكن ضمن حياة افتراضية موادها موجودة.
الحِيا هو عبارة عن حياة متخيلة تكسبنا معارف لا يمكن أن تكتسبها فتيات اليوم رغم الانفتاح وما ستحصل عليه من معارف عبر الانترنت. حقيقة كانت أياماً بديعة، اكسبتنا الكثير، و(للِحيا) دور كبير في تشكيل شخصياتنا وذائقتنا الفنية والحياتية وسلوكنا الاجتماعي.