يتميز الشيخ عبدالرب علي حميد بانه واحد من الوعاظ وعلماء الدين الذين يفضلون أداء رسالتهم الإرشادية في جو جماعي تغمره الحميمية والألفة والاقتراب من الناس، فجلساؤه خاصة خلال الشهر الكريم يحبون فيه تلك البساطة والمواجهة المباشرة.

ومنذ أن انبثقت في ذهنه فكرة المجالس قبل نحو عشر سنوات، وهو يقطع أميالاً من أجل حضور تلك المجالس في قريته أو في القرى والمدن البعيدة لذلك ما يجعل مجلسه الرمضاني مجلساً عامراً بالكثير من المحبين والمريدين خلال هذا الشهر الكريم وهو يرى أن مثل تلك الجلسات الليلية تساعد على التفقه في الدين وخاصة خلال شهر رمضان الذي يتزايد فيه الإقبال على غذاء الروح، ولذلك يحرص كثراً عليها متنقلاً من بلدة إلى أخرى مشيعاً حوله الألفة والمصاحبة الدائمة كما يقول مريدوه.

والمجالس الوعظية الجماعية هي بالنسبة له امتداد لتربية ومنهاج يقول إنه تشكل من خلالها لكنه يتأسف على تراجع تلك التربية ربما بسبب انتشار الوسائل الحديثة، وتلك التربية هي أن الناس في القرية وفي غيرها من قرى منطقته كانوا يتنادون بعد صلاة التراويح إلى مجلس القرية إما بيت عمدة القرية أو من يمتلك مكاناً فسيحاً ليتذكروا في شؤون الدين والدنيا خلال رمضان.

الجلسات كانت تبدأ بالطرفة والملحة وفي نوادر أهل القرية وما لم بهم من غرائب أو عجائب ثم يتحول المجتمعون إلى تلاوة القرآن الكريم أو قراءة كتاب من أمهات الكتب الفقهية، وغالباً كما يوضح كانت تتم بطريقة تشاركية ينتقل فيها المصحف في المجلس من شخص إلى آخر ممن يجيدون القراءة ويتوقف القارئ عند بعض الآيات أو الأحاديث ليفسرها أو يشرحها كما وردت أو بالتذكير بما جاء في مكان آخر ليفسرها إن كان له علم بذلك أو يتداول الحاضرون تفسيرها وكل يدلي بدلوه، وهذا كما يراه الشيخ يحفز الحضور على التساؤل ومثير للنقاش.

لكن اليوم كما يرى الشيخ عبدالرب تراجعت هذه المنهجية الروحية التربوية بسبب انتشار وسائل البث السمعية البصرية كالراديو والتلفزيون والمسجلة لأن كل واحد يستطيع أن يجد فيها ضالته وبغيته في مكان عمله أو في بيته وهذا جعل منه متلقياً سلبياً يكتفي بما شاهده وسمعه ولا يشاطر الآخرين النقاش فيه حتى تعم الفائدة وتنتشر المعرفة من منابر مختلفة واجتهادات متعددة.

فيما الأسلوب الذي كان متبعا يقوم اللسان ويصوب النطق ويوسع المعارف لأن من يقع في خطأ في التلاوة أو التجويد يصحح له الحاضرون فتقوم فصاحته وتتوسع مداركه ومعارفه في حلقة النقاش.

ولا يخفي الشيخ حسرته على تلك العادة الرمضانية وهو يلاحظ تراجعها بفعل انتشار التلفزيون، مؤكداً أن تلك المجالس المنعقدة على مدار الشهر الفضيل للذكر والنقاش في أمور الدين تراجعت كثيراً ولم تعد موجودة سوى في القرى التي لم تصل إليها الكهرباء، إذ يحافظ الناس على الالتقاء في الليالي الرمضانية في مجالس القراءة الجماعية التي تعد واحداً من التقاليد التي تقوم على منهاج مفيد ونافع لكل الحاضرين.