حضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المباراة النهائية، في كأس العالم، على ملعب "نيو يورك نيوجيرسي" (ميتلايف ستاديوم)، بين إسبانيا والأرجنتين وهي المباراة الوحيدة التي شاهدها من الملعب، وانتهت بفوز الماتادور الإسباني بهدف نظيف في الأشواط الإضافية سجله فيران توريس، بعد أن لعبت الأرجنتين الدقائق الأخيرة بعشرة لاعبين.

ربح الرئيس الأمريكي من كأس العالم أكثر من غيره، فقد حققت أرقاماً قياسية، ونجحت داخل الملعب وخارجه، جعلت ترامب يتصدر مشهد الختام.

كانت هذه هي المباراة الأولى والوحيدة التي يحضرها ترامب في البطولة، حيث شاهدها من المقصورة الرئيسية محاطاً برئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وملك إسبانيا فيليبي السادس رفقة رئيس وزرائه بيدرو سانشيز.

رغم صيحات الاستهجان المدوية التي سُمعت في الملعب فور ظهور صورته على الشاشات العملاقة، بدا الرئيس غير مكترث، ومصمماً على إغلاق ملف المونديال الذي جرى الجزء الأكبر منه تحت إشرافه المباشر.

قبل ستة أسابيع، كانت هذه النهاية السعيدة تبدو بعيدة المنال، حيث حذر النقاد من أن أول كأس عالم تضم 48 منتخباً ستتحول إلى دراسة حالة حول كيفية هيمنة السياسة على الرياضة وتشويهها وفق نيوزويك.

وتوقع كثيرون كارثة تنظيمية، فقد تخوفت جماعات حقوقية من ملاحقات الهجرة حول الملاعب، وفنادق في مدن كبرى اشتكت من حجوزات دون المتوقع، بينما أظهرت استطلاعات الرأي أن قطاعاً واسعاً من الجمهور الأمريكي غير مهتم بالحدث من الأساس.

حتى رئيس الفيفا الأسبق، سيب بلاتر، حث المشجعين علناً على البقاء في منازلهم ومتابعة المباريات من خلف الشاشات بدلاً من الحضور وسط مخاوف أمنية وسياسية.

بمجرد أن بدأت المباريات، تبخرت كل تلك السيناريوهات المتشائمة، فلم تقع مداهمات الهجرة، ولم تظهر مقاعد فارغة، وفشلت حركات المقاطعة تماماً في كسب أي زخم.

الأرقام تخرس التوقعات

انتهى المونديال برقم قياسي وتاريخي بلغ 6,810,966 متفرجاً عبر 104 مباريات، متجاوزاً الحضور الجماهيري الإجمالي لمونديالي 2018 و2022 مجتمعين، وسجلت نسبة إشغال المدرجات 99.7 % من المقاعد المتاحة.

أما أمام شاشات التلفاز فكانت المشاهدات عالية جداً، فقد حققت شبكة "فوكس" أعلى معدل مشاهدة لدور المجموعات في تاريخ أمريكا (أكثر من 5 ملايين مشاهد)، بينما قفزت شبكة "تيليموندو" الناطقة بالإسبانية بنسبة 122%.

وجذبت مباراة أمريكا الافتتاحية ضد باراغواي حوالي 27.5 مليون مشاهد عبر الشبكتين، بينما حطمت مباراة الأرجنتين وإنجلترا في نصف النهائي كل الأرقام القياسية لشبكة فوكس بـ 15 مليون مشاهد.

هذه الأرقام تترجم إلى أموال تصب في خزينة الفيفا، فكأس العالم للرجال هي "الدجاجة التي تبيض ذهباً" للاتحاد الدولي، وهي المورد الأساسي الذي يمول كل مسابقات الفيفا الأخرى، من كأس العالم للسيدات إلى كأس العالم للأندية.

سحر كرة القدم ينقذ المشهد

ما ساعد على إنجاح الأرقام هو المتعة الكروية داخل الملعب، فقد سجلت البطولة معدلاً تهديفياً مرتفعاً بلغ 2.94 هدف في المباراة الواحدة حتى ربع النهائي، وهو الأعلى منذ مونديال المكسيك 1970.

كما شهدت البطولة 11 عودة في النتيجة (ريمونتادا)، محطمة الرقم القياسي السابق لبطولة البرازيل 2014.

أما القصص الجانبية فقد أبقت الجماهير مشدودة، فالصراع الناري على الحذاء الذهبي بين ميسي ومبابي وهالاند كان تاريخياً، حيث سجل كل منهم 7 أهداف على الأقل.

لكن المفاجآت الكبرى جاءت من بعض المنتخبات التي لم تكن تصب الترشيحات في صالحها، وتألق بعض اللاعبينفيها، فحارس كاب فيردي المخضرم "فوزينيا" صاحب الـ 40 عاماً تحول إلى بطل شعبي بعد صموده أمام إسبانيا، والنرويج أصبحت الحصان الأسود للبطولة بإقصائها البرازيل (بطلة العالم 5 مرات)، وتحول احتفال "الفايكنج" لهالاند وزملائه إلى تريند عالمي.

الرئيس الذي كان في كل مكان

لقد قضى ترامب سنوات وهو يضع نفسه كوجه سياسي لمونديال 2026، استضاف قرعة البطولة في مركز كينيدي في ديسمبر الماضي، واستغل رئيس الفيفا جياني إنفانتينو المناسبة ليمنحه "جائزة السلام" المستحدثة، وشكل ترامب لجنة خاصة بالبيت الأبيض للإشراف على الترتيبات.

ولكن عندما بدأت المباريات كروياً، اختفى ترامب تماماً عن الأنظار ولم يحضر أي مباراة في دور المجموعات.

هذا الغياب هو ما خدمه، فالطريقة التي سارت بها البطولة بسلاسة ودون أزمات مع حكام الولايات الديمقراطيين (مثل غافين نيوسوم وجوش شابيرو الذين حضروا المباريات بأنفسهم) جعلت التغطية الإعلامية تركز على المدرجات الممتلئة والاحتفالات، بدلاً من التركيز على الصراعات السياسية والمظاهرات.

ورطة إنفانتينو الكبرى

إذا كان ترامب قد خرج من المونديال دون أن تمسه التقارير الجدلية، فإن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو لم يكن محظوظاً مثله.

فجرت قضية المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون أزمة أخلاقية كبرى، فبعد طرد بالوغون بالبطاقة الحمراء أمام البوسنة والهرسك (وهو ما يعني إيقافه تلقائياً عن مباراة خروج المغلوب)، تدخل ترامب شخصياً عبر اتصال هاتفي مع إنفانتينو، وبعد أربعة أيام، أعلن الفيفا إلغاء البطاقة الحمراء وإسقاط الإيقاف، في سابقة لم تحدث في المونديال منذ عام 1962.

احتفل ترامب بالقرار ووصفه بأنه "تصحيح لظلم كبير"، بينما كان الرد الأوروبي غاضباً، فوصف مدرب بلجيكا رودي غارسيا القرار بأنه "كذبة أبريل"، وانتقد المفوض الأوروبي للرياضة غلين ميكاليف التدخل السياسي في القرارات الرياضية، ورفض الاتحاد الألماني لكرة القدم التوقيع على بيان دعم إعادة انتخاب إنفانتينو لولاية جديدة في كونغرس الفيفا القادم كنوع من الاحتجاج.

اللقطة الأخيرة لترامب

في نهاية العرس الكروي الكبير وفي لحظة ترقبها مشجعو الساحرة المستديرة، مشى ترامب بثقة على عشب ملعب نيوجيرسي، متجاوزاً كل الأزمات ليقف في بؤرة الكادر ليحصد الثناء، على بطولة حققت أرقام قياسية، وأداء رائع رغم تعديلات الفيفا، وتوقع الكثيرين بكأس عالم أقل متعة كروية، لكن ما حدث في 6 أسابيع من إمتاع كروي، وتنظيم وحضور جماهيري، جعل من دونالد ترامب الرابح الأكبر والفائز الأول من كأس العالم.