يخوض الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» مخاطرة جديدة بأرضية ملعب «ميتلايف» خلال نهائي كأس العالم 2026 بين إسبانيا والأرجنتين، رغم الانتقادات التي طالت العشب طوال البطولة، ومع استعداد الملعب لاستضافة عرض بين الشوطين بمشاركة مادونا وشاكيرا وفرقة «بي تي إس» وجاستن بيبر، في مباراة تتجه تذاكرها لتصبح الأغلى في تاريخ الرياضة.

ويستضيف ملعب «ميتلايف»، الذي يطلق عليه «فيفا» اسم استاد نيويورك ونيوجيرسي، المباراة النهائية مساء الأحد، وسط توقعات بتجاوز عدد مشاهدي اللقاء عالميًا حاجز المليار شخص، رغم أن الملعب جاء في المركز الأخير ضمن تقييم أجرته صحيفة «ذا أثليتيك» لملاعب البطولة الـ16 بعد الأسبوع الأول من المنافسات.

وحصل الملعب على 4 درجات من 10 في الجانب الجمالي، و3 درجات فقط في النقل والموقع، إذ يقع وسط مساحات من المستنقعات ومواقف السيارات وبجوار مركز «أمريكان دريم»، ثاني أكبر مراكز التسوق في الولايات المتحدة، كما تصل كلفة رحلة القطار ذهابًا وعودة من مانهاتن إلى الملعب في أيام المباريات إلى 98 دولارًا.

ووصف لاعبون ومدربون أرضية «ميتلايف» خلال البطولة بأنها جافة وصلبة وغير مستوية وتشبه العشب الصناعي، لكن تلك الانتقادات لم تمنع «فيفا» من اختياره لاستضافة المباراة الأكثر مشاهدة في العالم.

وساعد توقيت النهائي في ترجيح كفة نيويورك ونيوجيرسي، إذ تنطلق المباراة في الثالثة عصرًا بالتوقيت المحلي، وهو موعد يناسب شبكات البث في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، لكنه لا يخدم الأسواق الآسيوية بالقدر نفسه.

واستبعد «فيفا» ملعب «أزتيكا» في المكسيك من الحسابات، رغم امتلاكه أكبر سعة جماهيرية في البطولة بفارق بضع مئات من المقاعد عن «ميتلايف»، لأن ملف الاستضافة المشترك المقدم عام 2018 حدد إقامة 75% من المباريات في الولايات المتحدة، مقابل توزيع النسبة المتبقية بين كندا والمكسيك، كما تقرر منذ البداية إقامة النهائي داخل الأراضي الأمريكية.

ودخل ملعب «صوفي» في لوس أنجلوس ضمن المنافسة لفترة، لكن السباق الأقوى انحصر بين نيويورك ونيوجيرسي من جهة، ودالاس من جهة أخرى، قبل إعلان القرار في فبراير 2024، دون علم أي من الطرفين مسبقًا بهوية الفائز.

ونشرت صحيفة بريطانية قبل الإعلان تقارير تفيد بفوز دالاس بحق استضافة النهائي، قبل أن يكشف كريغ ديفيس، الرئيس التنفيذي لمكتب الزوار في المدينة، عن سماع فريقه شائعات تتحدث عن تسريب «فيفا» الخبر بهدف دفع نيويورك إلى تحسين عرضها، من دون تأكيد صحة تلك الرواية.

وأكدت مونيكا بول، المديرة التنفيذية للجنة دالاس الرياضية ورئيسة لجنة استضافة كأس العالم، أن فريقها تعرض بعد الإعلان لأسئلة عن كيفية خسارة النهائي، رغم أنه لم يكن قد حصل عليه من الأساس، مشيرة إلى أن دالاس قدمت كل ما تستطيع تقديمه للفوز بالمباراة.

وبدأت حملة نيويورك ونيوجيرسي لاستضافة النهائي منذ عام 2018، عندما استقبل فيل مورفي، حاكم نيوجيرسي آنذاك، وفدًا من «فيفا» داخل ملعب نيويورك ريد بولز في مدينة هاريسون، إذ فضل مسؤولو الملف هذا الملعب الذي يتسع لـ25 ألف متفرج لإجراء اللقاءات الأولى بدلًا من «ميتلايف» الأكبر حجمًا.

وامتلك مورفي وزوجته تامي خلفية في كرة القدم باعتبارهما من المالكين المؤسسين لنادي غوثام في الدوري الأمريكي للسيدات، كما شارك مورفي سابقًا في ملف الولايات المتحدة الذي أخفق في الفوز باستضافة نسختي 2018 أو 2022.

واعتمد الملف على شراكة بين نيوجيرسي ونيويورك، تقوم على تقاسم التكاليف بالتساوي، مع تقديم نيوجيرسي لمرافق التدريب والبنية التحتية والعلاقات الكروية، بينما توفر نيويورك صورتها العالمية ومعالمها الشهيرة.

وكثف مورفي، بالتعاون مع رئيسي بلدية نيويورك بيل دي بلاسيو ثم إريك آدامز، اتصالاته مع جياني إنفانتينو، رئيس «فيفا»، عبر اجتماعات ولقاءات عشاء ومكالمات مرئية، كما شاركت كاثي هوكول، حاكمة نيويورك، في مأدبة غداء مع إنفانتينو داخل فندق «بلازا» قرب سنترال بارك، بحضور ملاك أندية في دوري كرة القدم الأمريكية للمحترفين ومسؤولين بارزين في قطاع الأعمال.

وعُقد لقاء آخر قبل منح الاستضافة داخل فندق «إكوينوكس» في هدسون ياردز، بمشاركة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد المقربين من إنفانتينو، إلى جانب مجموعة من كبار رجال الأعمال وصناع القرار في المنطقة.

واختير موقع اللقاء في مانهاتن بإطلالة على نهر هدسون ونيوجيرسي في الجانب الآخر، ضمن حملة هدفت إلى إظهار التكامل بين الولايتين أمام مسؤولي «فيفا».

ولجأت تامي مورفي إلى الممثل الأمريكي روبرت دي نيرو لتسجيل مقطع مصور مدته 3 دقائق و20 ثانية، عُرض أمام وفد من «فيفا»، وبدأ بصور تمثال الحرية ومعالم نيويورك، قبل أن يؤكد دي نيرو أن نيويورك ونيوجيرسي اعتادتا التفكير بصورة كبيرة والاستعداد لاستقبال أكبر مباراة على أكبر مسرح.

واستخدم دي نيرو كلمة «فوتبول» بدلًا من «سوكر»، وتحدث عن انتشار اللعبة في ساحات المدارس والمنازل، قبل أن يؤكد أن المنطقة وُلدت مستعدة لاستضافة كأس العالم.

وتنافس كبار رجال الأعمال والسياسيين على استمالة إنفانتينو خلال خريف 2023، إذ استضافه جيري جونز، مالك دالاس كاوبويز، داخل مقصورته خلال مباراة أمام نيويورك غيتس، وظهرت صور رئيس «فيفا» على الشاشة العملاقة داخل ملعب دالاس.

والتقى إنفانتينو خلال الرحلة نفسها غريغ أبوت، حاكم تكساس، ومالكي نيويورك غيتس كريس وودي جونسون، قبل انتقاله إلى نيويورك ولقائه مورفي وآدامز، ثم حضوره مباراة بين نيويورك غيتس ونيو إنغلاند باتريوتس على ملعب «ميتلايف».

وزار رئيس «فيفا» أيضًا مفوضي دوريات كرة القدم الأمريكية والهوكي والبيسبول، التي تتخذ جميعها من نيويورك مقرًا لها، في إطار محاولاته الاستفادة من خبرات الرياضات الأمريكية.

واستعان ملف نيويورك ونيوجيرسي باستطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» خلال صيف 2023، وأظهر تفضيل مشجعي كرة القدم في الولايات المتحدة حضور المباريات داخل منطقة نيويورك ونيوجيرسي مقارنة بأي مدينة أخرى.

ودرس الملف كذلك أنماط الطقس في نيوجيرسي وتكساس، مؤكدًا أن إقامة مهرجانات الجماهير والفعاليات الخارجية ستكون أكثر سهولة بعيدًا عن حرارة دالاس، رغم أن المخاوف المتعلقة بجودة الهواء سيطرت لاحقًا على الأيام السابقة للنهائي.

وقدم مسؤولو الملف تقديرات لاحتمالات العواصف الرعدية في منتصف يوليو، إلى جانب خطط تغطية المقاعد المخصصة لفئة كبار الشخصيات وفق تصنيف الاعتمادات الخاص بـ«فيفا».

واستعرضت نيويورك ونيوجيرسي تجارب التنسيق الأمني والنقل خلال حفل تايلور سويفت في ملعب «ميتلايف» وزيارات البابا إلى المنطقة، كما استعانت بالدروس المستفادة من فوضى المواصلات التي رافقت مباراة «سوبر بول» عام 2014، عندما واجه المشجعون صعوبات كبيرة في مغادرة الملعب.

ورجحت مصادر مطلعة لصحيفة «ذا أثليتيك» أن القرار النهائي صدر عن إنفانتينو، بمشاركة عدد من كبار مسؤولي «فيفا»، من بينهم هايمو شيرغي، مدير العمليات في كأس العالم 2026، وماتياس غرافستروم، الأمين العام للاتحاد الدولي.

ومنح تصميم «ميتلايف» المفتوح الملعب أفضلية إضافية أمام دالاس و«صوفي»، اللذين يمتلكان سقفًا مغلقًا ونظامًا للتحكم في درجات الحرارة، بسبب مخاوف الحفاظ على جودة العشب طوال بطولة تمتد 39 يومًا.

وأوضح آلان فيرغسون، المدير الأول للملاعب في «فيفا»، لصحيفة «ذا أثليتيك»، أن إبقاء العشب بعيدًا عن أشعة الشمس طوال تلك الفترة داخل الملاعب المغلقة يمثل مخاطرة كبيرة، مؤكدًا أنه كان يفضل دائمًا الملاعب المفتوحة في بوسطن أو نيويورك أو سان فرانسيسكو للاستفادة من العناصر الطبيعية.

وأشار فيرغسون إلى أن ضعف تعرض العشب للشمس قد يؤدي إلى اصفراره وإضعاف النبات، حتى مع استخدام أنظمة العشب الهجين، معتبرًا أن وضع نهائي كأس العالم داخل ملعب مغلق طوال البطولة كان سيحمل درجة أكبر من المخاطرة.

وأكد مسؤول «فيفا» أن القرار راعى اللاعبين الـ22 الذين سيخوضون أكبر مباراة في العالم، متوقعًا ظهور أرضية «ميتلايف» بصورة جيدة خلال النهائي.

وطرح «فيفا» أجزاءً من عشب الملعب للبيع عبر موقعه الإلكتروني مقابل مبالغ تتراوح بين 450 و3 آلاف دولار للقطعة، على أن تُرسل إلى المشترين بعد المباراة النهائية.

واعترض مايكل إنغانامورت، عضو جمعية نيوجيرسي، على الخطوة، مؤكدًا أن الأرض مملوكة للولاية، وأن «فيفا» لا يحق له بيع أجزاء من الملعب من دون إذن، كما وصف الأمر بأنه صفقة سيئة لدافعي الضرائب وغير قانونية.

وانتقدت ميكي شيريل، حاكمة نيوجيرسي التي تولت منصبها هذا العام، مطالبة دافعي الضرائب بتحمل تكاليف بطولة قال إنفانتينو إنها ستدر 11 مليار دولار على «فيفا»، وكتبت عبر منصة «إكس» تعليقًا ساخرًا على بيع العشب، قبل أن تكشف «ذا أثليتيك» حصول اللجنة المشتركة لنيويورك ونيوجيرسي على نسبة من العائدات.

وسبق أن تلقى عشب «ميتلايف» استثمارات بقيمة 13 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب في نيوجيرسي، ما زاد الاعتراضات على بيع أجزاء منه بعد النهائي.

وتبقى المخاوف قائمة قبل المباراة بسبب الانتقادات السابقة للأرضية، إلى جانب إقامة جزء من عرض ما بين الشوطين فوقها بمشاركة مادونا وشاكيرا وفرقة «بي تي إس» وجاستن بيبر.

وتبلغ السعة الرسمية للملعب خلال كأس العالم 80 ألفًا و663 متفرجًا، مقابل 70 ألفًا و649 في ملعب دالاس، وهو فارق يتيح لـ«فيفا» بيع نحو 10 آلاف تذكرة إضافية قرب نيويورك، التي تعد أغنى مدينة في العالم.

ورجحت فرصة تحقيق إيرادات أكبر كفة «ميتلايف»، خصوصًا مع اتجاه نهائي كأس العالم إلى تسجيل أعلى أسعار للتذاكر في تاريخ الأحداث الرياضية.

وأبدى تشاد إستيس، نائب الرئيس التنفيذي للعمليات التجارية في دالاس كاوبويز، استياءه المستمر من عدم استضافة مدينته النهائي، معتبرًا أن ملعب دالاس كان الأنسب لإقامة المباراة في ظروف مثالية وفي موقع يتوسط قارة أمريكا الشمالية.

وأقر إستيس بانحيازه لملعبه، لكنه أشار إلى أن اختيار نيويورك ربما ارتبط بصورتها المعروفة عالميًا لدى القادمين من خارج الولايات المتحدة، مؤكدًا أنه لم يحصل على تفسير مقنع لخسارة دالاس السباق.