لم تكن ملاعب مونديال 2026 في أمريكا وكندا والمكسيك، مجرد مسارح للمنافسة الكروية الشرسة، بل تحولت في كواليسها إلى ساحات تلاقٍ ثقافي وإنساني فريد، جسد فيه أبناء الجاليات العربية والخليجية أسمى قيم التسامح والترابط، فبينما ركزت عدسات المصورين العالمية على إثارة المستطيل الأخضر وصراع التأهل، كانت هناك ملحمة موازية تصدرتها السواعد الخليجية والجاليات العربية في مدينتي لوس أنجلوس وميامي؛ حيث حرص المشجع الإماراتي والخليجي على نقل إرث الضيافة الأصيل ونموذج «المجلس» المضياف من الخليج العربي إلى قلب بلاد العم سام، مستكملين الصورة المشرفة، التي انطلقت من مونديال قطر 2022
وفي ممرات الملاعب ومواقف الحافلات المخصصة لنقل الوفود، رصدت التقارير الإعلامية ظاهرة اجتماعية استثنائية غير مألوفة في الثقافة الرياضية الأمريكية، حيث قامت روابط مشجعين خليجية، بالتنسيق مع متطوعين من الجاليات، بتوزيع آلاف العبوات الأنيقة المعبأة بالتمور الفاخرة، والقهوة العربية، والحلويات التقليدية، واستهدفت التوزيعات بصورة خاصة عمال النظافة، ورجال الأمن الداخلي، والمتطوعين الشباب، وسائقي الحافلات الذين يعملون لساعات طويلة تحت ضغوط تنظيمية هائلة، في لفتة تقديرية تعكس الهوية والمبادئ الخليجية في إكرام الضيف والعامل على حد سواء.
وأحدثت هذه المبادرة العفوية صدمة حضارية إيجابية، وعبر الكثير من العاملين والمتطوعين الأمريكيين عن دهشتهم البالغة وامتنانهم العميق؛ حيث رصدت الصحف الغربية ردود فعل بعض المستهدفين بالكرم الخليجي والعربي فنقلت عن جيسيكا لين، وهي متطوعة أمريكية عند بوابات استاد لوس أنجلوس، قولها: «أعمل في تنظيم الفعاليات الرياضية منذ سنوات، واعتدت أن يمر المشجعون مسرعين دون الالتفات إلينا، لكن المشجعين القادمين من الخليج استوقفوني بابتسامة وقدموا لي علبة تمور فاخرة هدية، لقد جعلوني أشعر لأول مرة بأن جهدي مقدر، ولمست فيهم نبلاً وتواضعاً لم أره من قبل».
وعبر روبرت ميلر، وهو سائق حافلة مخصصة لنقل الوفود في ميامي، عن إعجابه الشديد بهذه اللفتة قائلاً: «الطقس حار وساعات العمل طويلة جداً، لكن الضيوف العرب والخليجيين كانوا يصرون يومياً على مصافحتنا وتقديم القهوة الساخنة والحلويات لنا قبل الصعود للحافلة، لم يكن الأمر مجرد تقديم طعام، بل كان تعبيراً دافئاً عن الاحترام الإنساني المتبادل، وهو أمر غيّر نظرتي تماماً عن ثقافة الشرق الأوسط، وجعلني مشجعاً لهم خلف الكواليس».
وأكد القائمون على هذه المبادرات أن الهدف الأساسي كان تقديم بطاقة تعارف حقيقية عن الثقافة العربية والإسلامية، وإثبات أن الكرم وحسن الضيافة هما جينات أصيلة وثابتة في الهوية الخليجية، يصطحبها المواطن أينما ارتحل، وفي النهاية، أثبتت هذه الخطوة في ميامي ولوس أنجلوس أن كرة القدم تظل أقوى أدوات الدبلوماسية الشعبية والقوة الناعمة، إذ نجحت في تذويب الصور النمطية، وترسيخ قيم الأخوة الإنسانية، لتسجل نموذجاً ملهماً في كيفية تحويل المدرجات الرياضية إلى جسور ممتدة للتواصل والتآخي بين الشعوب.