بينما كان الجميع يظن أن المنتخبات الأفريقية ذاهبة إلى مونديال 2026 لمجرد المشاركة، كان جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، يطبخ خلف الكواليس خطته السرية التي ستغير خريطة كرة القدم للأبد، فبعد ترويج البعض للقول إن زيادة المقاعد ستدمر جودة كأس العالم، جاء الرد الأفريقي الصادم بنسبة تأهل بلغت تسعين بالمئة للأدوار الإقصائية، ليمنح داهية «الفيفا» السلاح السري الذي هزم به منتقديه الغربيين، ومهد به الطريق علناً للمشروع الأكثر جدلاً بإقامة مونديال بأربعة وستين فريقاً، وبينما ناهضت القوى الأوروبية زيادة مقاعد المونديال باعتبارها خطوة شعبوية تُضعف البطولة وتُثقل كاهل اللاعبين.

كان جياني إنفانتينو يراهن على شرارة تقلب الطاولة، واشتعلت هذه الشرارة في ملاعب أمريكا بنجاح أفريقي كاسح شهد تأهل 9 منتخبات من أصل 10 إلى الأدوار الإقصائية، ليتخذ رئيس «الفيفا» من هذا الإنجاز التاريخي سلاحه السياسي الأقوى، معلناً في مؤتمره الأخير أن توسيع الرقعة كسر احتكار عمالقة أوروبا وأمريكا الجنوبية، وأثبت أن فتح الأبواب للمنتخبات الصاعدة يُشعل التنافسية العالمية بدلاً من إضعاف الجودة الفنية للبطولة.



ولم يكن دفاع إنفانتينو مستنداً على العاطفة، بل على لغة الأرقام والنفوذ السياسي داخل أروقة «الفيفا». فالقارة الأفريقية تمتلك كتلة تصويتية ضخمة تبلغ 54 اتحاداً وطنياً، وكسب ود هذه الكتلة عبر زيادة مقاعدها المباشرة يضمن لرئيس«الفيفا» الحالي حلفاء دائمين وأصواتاً انتخابية شبه مضمونة في أي صراع مستقبلي ضد السيطرة الأوروبية، إنها عملية تبادل منافع ذكية يمنح «الفيفا» المقاعد والاعتراف الدولي، وتقدم القارات النامية الدعم السياسي والشرعية المطلقة لقراراته.



استغل إنفانتينو الاندفاع الأفريقي ليمهد الطريق علناً لمشروعه الأكبر والأكثر جرأة برفع عدد منتخبات كأس العالم إلى 64 فريقاً بحلول نسخة عام 2030 المشتركة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، ومن خلال هذا التوسع التاريخي، لا يضمن «الفيفا» النفوذ السياسي فحسب، بل يفتح أسواقاً تسويقية واستثمارية وحقوق بث تلفزيوني ضخمة في مناطق شاسعة من العالم كانت تاريخياً خارج دائرة الاهتمام الاقتصادي للمونديال، ليتحول حلم الـ 64 فريقاً من مجرد فكرة مستحيلة إلى واقع تفرضه الأقدام الأفريقية.



لقد أثبت مونديال أمريكا أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل هي لعبة نفوذ تدار بذكاء خلف الكواليس، فقد كانت الأقدام الأفريقية هي المنقذ الحقيقي لخطط إنفانتينو، وبفضل نجاحها الكاسح، تحول حلم المونديال الموسع إلى واقع يفرض نفسه، ليبرز السؤال: هل ينجح داهية «الفيفا» في تمرير مشروع الـ 64 فريقاً لعام 2030، أم أن القوى الأوروبية ستجد طريقة لفرملة هذا القطار السريع؟