مع احتدام منافسات كأس العالم 2026، قد تبدو ركلة الجزاء مواجهة بسيطة بين لاعب وحارس مرمى، لكنها في الواقع معركة تحكمها الأرقام والفيزياء وعلم النفس. وكشفت دراسة جديدة أن اختيار زاوية التسديد وارتفاع الكرة قد يكون الفارق بين هدف مؤكد وركلة مهدرة، بل حددت ما وصفته بـ"ركلة الجزاء المثالية" التي تجعل مهمة الحارس شبه مستحيلة.
وحلل باحثون من جامعة ريدينغ مئات ركلات الجزاء في البطولات الأوروبية، وخلصوا إلى أن أكثر التسديدات نجاحا هي تلك التي تُوجَّه بقوة إلى الزاوية العلوية وبعيدا عن متناول حارس المرمى، بينما تقل فرص التسجيل عند اللجوء إلى التسديدات "الآمنة" منخفضة الارتفاع.
وقال البروفيسور جيمس ريد، أحد مؤلفي الدراسة، إن هاري كين يمتلك قدرة استثنائية على تنفيذ هذا النوع من الركلات، مضيفًا: "لا بد أن تكون قدم هاري كين أشبه بمحرك نفاث. هدفه الرائع في مرمى المكسيك جسّد تماما مبدأ المخاطرة مقابل المكافأة، إذ سدد الكرة بقوة وسرعة نحو زاوية يصعب الوصول إليها."
وأضاف أن كين سبق أن أهدر بعض ركلات الجزاء، لكن ثقته في التسديد إلى الزوايا الصعبة تجعله من أكثر اللاعبين قدرة على التسجيل، مؤكدًا أن جميع منفذي ركلات الجزاء يجب أن يحذوا حذوه، وأن يسددوا الكرة عالية وبعيدة وبقوة.
وللتوصل إلى هذه النتائج، درس الباحثون 536 ركلة جزاء نُفذت في دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي، وقارنوا بين أماكن التسديد ونسب النجاح.
وأظهر التحليل أن معظم اللاعبين يختارون مناطق تمنحهم شعورا أكبر بالأمان، لكنها في الواقع تزيد فرص الحارس في التصدي للكرة. وفي المقابل، فإن التسديد نحو الزاوية العلوية يمنح أعلى احتمال للتسجيل وفقًا للبيانات الإحصائية.
وبيّنت الدراسة أنه من بين كل 100 ركلة جزاء، يؤدي اختيار التسديدات الأكثر تحفظا إلى وضع ثلاث كرات إضافية بين الخشبات الثلاث، لكنها تمنح الفريق فرصة أقل للتسجيل. فلو خاطر اللاعبون بتوجيه الكرة نحو الزوايا العليا، لكان بالإمكان تسجيل هدف إضافي في المتوسط.
وأوضح البروفيسور ريد أن الجانب النفسي يلعب دورا مهما في هذا القرار، قائلاً: "كما رأينا مرارا خلال كأس العالم، يفضل كثير من اللاعبين أن تبدو ركلتهم وكأنها كادت تدخل المرمى، بدلاً من المخاطرة بتسديدة قد تخرج بعيدًا وتُفسر على أنها إهدار كامل للفرصة."
وكشف أن النتيجة بالنسبة للفريق واحدة، سواء خرجت الكرة خارج المرمى أو تصدى لها الحارس، لكن اللاعب ينظر إلى الحالتين بطريقة مختلفة، معتبرا أن الخوف من الانتقاد قد يدفع اللاعبين إلى اختيار حلول أقل فاعلية.
وأوضح إنه في كثير من الأحيان، يختار اللاعبون التسديدات الأكثر أمانا حتى لو كانت أقل فاعلية، لأنهم يفضلون أن تبدو الركلة وكأنها كادت تسجل، بدلاً من أن يبدوا وكأنهم أضاعوا الكرة تماما.
وبحسب تقرير لصحيفة "ديلي ميل " البريطانية فقد استخدم فريق البروفيسور ريد قبل انطلاق كأس العالم، أيضا نموذجا حاسوبيا لمحاكاة البطولة بالكامل، حيث أُجريت 10 آلاف محاكاة لجميع مباريات النسخة التي تضم 48 منتخبا، بهدف تقدير فرص كل فريق في التتويج.
وأظهرت النتائج أن الأرجنتين تتصدر قائمة المرشحين للفوز باللقب بنسبة 24%، تليها إسبانيا بنسبة 13%، ثم فرنسا بنسبة 12%.
وجاءت إنجلترا في المركز الرابع بالتساوي مع البرتغال، إذ منح النموذج كلا المنتخبين فرصة تبلغ 9% للفوز بالبطولة.
وقال البروفيسور ريد إن تفوق الأرجنتين لا يعني حسم المنافسة، موضحًا أن الفوارق بين المنتخبات الكبرى لا تزال محدودة للغاية، مضيفًا أن فرنسا وإسبانيا متقاربتان جدا في النموذج، بينما لا تبتعد إنجلترا عنهما كثيرا.
وبعد مرور 60 عاما على آخر تتويج لإنجلترا بكأس العالم، تشير هذه المحاكاة إلى أن المنتخب الإنجليزي يمتلك فرصة حقيقية لإعادة الكأس إلى موطن كرة القدم، إذا نجح في استغلال الفرص الحاسمة... وربما يكون ذلك بقدم هاري كين.