لم يعد كأس العالم يذهب إلى الناس عبر الشاشة وحدها. صار يذهب إليهم عبر وجه يصرخ، يركض، يضحك، يرتبك، ويبكي أحياناً أمام الكاميرا. هذا الوجه هو «آي شو سبيد»، واسمه الحقيقي دارين جيسون واتكنز جونيور، صانع محتوى أمريكي شاب تحول من عاشق صاخب لكرة القدم إلى واحد من أكثر الوجوه حضوراً في مونديال 2026.

سبيد ليس معلقاً رياضياً بالمعنى القديم. لا يجلس خلف مكتب، ولا يشرح الخطة بهدوء، ولا يتحدث بلغة الأرقام الباردة. قوته أنه يشاهد المباراة كما يشاهدها جيل كامل: بانفعال، وبكاميرا مفتوحة، وبشعور أن كل لحظة قابلة لأن تتحول إلى مقطع ينتشر في العالم.

وفقاً لـ«وايرد»، فإن سبيد صار أشبه بـ«إي إس بي إن» لجيل زد، في إشارة إلى أن كثيرين من الشباب لا ينتظرون التحليل التلفزيوني التقليدي، بل يذهبون إلى الستريمر الذي يعيش معهم المباراة لحظة بلحظة. و«إي إس بي إن» شبكة رياضية أمريكية كبرى، ارتبط اسمها لعقود بالتغطية الرياضية التلفزيونية. أما سبيد، فقد جاء من عالم «يوتيوب» والبث المباشر، وحمل معه لغة مختلفة تماماً.

بطولة مباشرة

قبل انطلاق كأس العالم 2026، أطلق سبيد أغنية مصورة بعنوان «ورلد كب: تشامبيونز»، ذكر فيها المنتخبات الـ48 المشاركة في البطولة، بحسب «وايرد». لم تكن الأغنية مجرد دعاية لنفسه، بل إعلاناً عن أن كأس العالم لم يعد حدثاً تملكه القنوات فقط. صار أيضاً حدثاً يصنعه صناع المحتوى بطريقتهم، بأغانٍ ومقاطع وردود فعل وجولات بين الملاعب.

وتظهر قناته الرسمية على «يوتيوب» حجم هذا الحضور. فبحسب بيانات القناة، يتابعه أكثر من 57 مليون مشترك، وحققت بعض بثوثه خلال البطولة أرقاماً ضخمة، بينها 21 مليون مشاهدة لبث مباراة الأرجنتين ومصر، و19 مليون مشاهدة لبث البرتغال وإسبانيا، و8 ملايين مشاهدة لبث فرنسا والمغرب.

هذه الأرقام لا تعني أن سبيد ينافس القنوات فقط، بل تعني أن الجمهور نفسه تغير. هناك من يريد المباراة كاملة، وهناك من يريدها عبر شخص يشعر كأنه صديقه. شخص يصرخ قبل الهدف، ويفقد أعصابه عند الفرصة الضائعة، ويختصر المسافة بين المدرج وغرفة النوم.

شراكة رسمية

الجديد في قصة سبيد أن حضوره لم يبقَ في الهامش. وفقاً لـ«ديكسرتو»، أبرم سبيد اتفاقاً لبث مباريات مختارة من كأس العالم عبر «يوتيوب برايم تايم تشانلز» بالتعاون مع «فوكس ون»، بما في ذلك مباريات في الأدوار الإقصائية والنهائي. و«فوكس ون» خدمة بث تابعة لشبكة «فوكس» الأمريكية، أما «يوتيوب برايم تايم تشانلز» فهي خدمة داخل «يوتيوب» تتيح الاشتراك في قنوات ومحتوى تلفزيوني مدفوع.

كما تعرض «فوكس» سلسلة بعنوان «ووتش ويذ: كأس العالم 2026 مع آي شو سبيد»، وفيها يظهر سبيد مرافقاً للمباراة بطريقة مشاهدة تفاعلية، وفقاً لصفحة السلسلة على «فوكس».

هذه الخطوة مهمة لأنها تنقل الستريمر من موقع المتطفل على الرياضة إلى موقع الشريك في توزيعها. في الماضي، كانت المؤسسة الإعلامية تخشى صانع المحتوى لأنه يأخذ الانتباه منها. اليوم، بدأت تفهم أنه قد يجلب جمهوراً لا يعود بسهولة إلى الشاشة التقليدية.

لغة الجيل

سبيد لا يقدم كرة القدم كما يقدمها المعلق الخبير. أحياناً يخطئ، وأحياناً يبالغ، وأحياناً يصبح هو الحدث أكثر من المباراة. لكن هذا تحديداً ما يجعل ملايين يتابعونه. هو لا يدعي البرود. يذهب إلى كرة القدم من باب العاطفة الخالصة.

في عالم جيل زد، لم يعد المشجع يكتفي بالنتيجة. يريد ردة الفعل، والرحلة، والكواليس، واللقطة التي لم تلتقطها الكاميرا الرسمية. يريد أن يرى من يشبهه في ارتباكه وفرحه وصراخه. لهذا يصبح الستريمر وسيطاً جديداً بين الرياضة والجمهور.

وفقاً لـ«ستريمز تشارتس»، أعلن سبيد جولة خاصة بكأس العالم 2026 مدعومة رسمياً من الاتحاد الدولي لكرة القدم، في دليل على أن «فيفا» نفسها بدأت ترى في صناع المحتوى جزءاً من خريطة الوصول إلى الجمهور الجديد.

وجه حساس

لكن هذا الحضور الكبير يضع سبيد أيضاً في قلب مواقف صعبة. فقد أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم أنه يحقق في واقعة عنصرية تعرض لها سبيد خلال مباراة الأرجنتين والرأس الأخضر في ميامي، بعدما ظهر في بث مباشر وهو يتفاعل مع مشجع وجه إليه عبارة مسيئة. ووفقاً لوكالة «أسوشيتد برس»، أكد «فيفا» رفضه للعنصرية والكراهية والتمييز في كرة القدم والمجتمع.

تكشف هذه الواقعة أن الستريمر لا يعيش البطولة من مسافة آمنة. إنه وسط الجمهور، قريب من الفوضى والحب والإساءة في الوقت نفسه. التلفزيون التقليدي ينقي الصورة غالباً. أما البث المباشر فيترك العالم يدخل كما هو، بفرحه وقبحه.