لم تكن مباراة النرويج وإنجلترا في ربع نهائي كأس العالم 2026 على العشب وحده. كانت هناك مباراة أخرى على «إنستغرام»، بين «نورويجن إير» (طيران النرويج) و«الخطوط الجوية البريطانية»، بدأت بمزحة وانتهت بدرس جميل في الروح الرياضية والتسويق الذكي.

قبل المباراة، تحدت «نورويجن إير» منافستها البريطانية برهان بسيط: الشركة التي يخسر منتخبها تغير شعار حسابها إلى شعار الشركة الفائزة لمدة يوم واحد. قبلت «الخطوط الجوية البريطانية» الرهان، ثم جاءت النتيجة، حيث فازت إنجلترا بنتيجة 2-1، ففعلت الشركة النرويجية ما وعدت به.

بدأت الحكاية عندما طرحت «نورويجن إير» التحدي عبر «إنستغرام»، ثم قبلت «الخطوط الجوية البريطانية» الرهان، قبل أن تؤكد الشركتان الاتفاق في فيديو مشترك بمصافحة في مقر الشركة البريطانية.

وعد منفذ

بعد صافرة النهاية، لم تختفِ المزحة كما تختفي كثير من الحملات الرقمية. غيّرت «نورويجن إير» شعار حسابها على «إنستغرام» إلى شعار «الخطوط الجوية البريطانية»، وهنأت إنجلترا والشركة البريطانية، في موقف حوّل الخسارة إلى لحظة تسويقية ذكية. وبحسب «إيكونوميك تايمز»، نفذت «نورويجن إير» وعدها وغيّرت شعارها مؤقتاً، في خطوة رآها كثيرون مثالاً على الروح الرياضية والذكاء التسويقي.

جمال القصة أن الشركة الخاسرة لم تتعامل مع الرهان كحرج. ضحكت، اعترفت، وشاركت جمهورها اللحظة. في زمن تحاول فيه العلامات التجارية أن تبدو رابحة دائماً، بدا الاعتراف بالخسارة أكثر لطفاً من الانتصار، وهو ما يفسره خبراء (سيكولوجية التسويق) بأنه كسر لـ "حاجز الكمالية"، مما يزيد من مستويات الثقة والارتباط العاطفي مع العملاء، وهو ما يُعرف استراتيجياً ببناء (ولاء العلامة التجارية).

فرصة تسويق

الأهم أن الشركتين ليستا راعيتين رسميتين لكأس العالم. ومع ذلك، دخلتا إلى قلب الحديث العالمي من باب خفيف. ووفقاً لـ«سكيفت» (منصة أخبار السفر)، صنعت «نورويجن إير» و«الخطوط الجوية البريطانية» واحدة من أبرز لحظات التسويق خلال البطولة من دون دفع مبالغ لرعاية رسمية من «فيفا». وتؤكد دراسة حالة نشرتها منصة (أسبوع التواصل الاجتماعي) أن هذه الحملة حققت معدل تفاعل تضاعف 5 مرات مقارنة بالمنشورات العادية، مما يثبت أن الجرأة في التسويق لا تتطلب عقوداً باهظة، بل تتطلب توقيتاً ذكياً.

وفي هذا السياق، تشير دراسة صادرة عن (كلية هارفارد للأعمال) إلى أن هذا النوع من الحملات يُعد نموذجاً مثالياً لـ (التسويق الفيروسي منخفض التكلفة)، حيث تولى الجمهور نفسه عملية الترويج للمحتوى وإعادة نشره، مما وفر للشركتين عائداً على الاستثمار يفوق بكثير ما كان سيحققه إعلان تلفزيوني تقليدي بتكلفة تقدر بملايين الدولارات. ويؤكد خبراء التسويق في «مجلة درام» أن نجاح الحملة يعود لعناصر المخاطرة والشفافية والتنسيق المسبق.

بدأ التفاعل عندما سألت «نورويجن إير» منافستها إن كانت مستعدة للمخاطرة بشعارها، فردت «الخطوط الجوية البريطانية»: «لا تراهن على شيء لا تستطيع الفوز به»، ثم جاء رد «نورويجن إير» بتلاعب لفظي ساخر على اسم النرويج بالإنجليزية.

روح رياضية

في الرياضة، لا تخص الروح الرياضية اللاعبين وحدهم. أحياناً تظهر في شركة تقبل الخسارة أمام الجمهور. «نورويجن إير» لم تتهرب من الرهان، ولم تقل إنها كانت مزحة فقط. نفذت ما قالت، ولذلك كسبت تعاطف المتابعين.

واعترفت الشركة النرويجية بالخسارة، وهنأت إنجلترا و«الخطوط الجوية البريطانية»، وتمنت التوفيق للمنتخب الإنجليزي. بهذه الخطوة، ربح الطرفان؛ «الخطوط الجوية البريطانية» حصلت على شعارها في حساب منافستها، و«نورويجن إير» ربحت صورة لطيفة: شركة تعرف كيف تمزح، وكيف تخسر، وكيف تفي بوعدها.