سجلت بطولة كأس العالم 2026 أرقاماً قياسية في الحضور الجماهيري، لتؤكد أن الحدث الكروي الأكبر في العالم لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل تحول إلى تجربة متكاملة تستقطب جماهير تمتلك قدرة شرائية مرتفعة، وتضع حضور البطولة ضمن أولوياتها، مهما بلغت تكاليف السفر أو أسعار التذاكر.

ومع انتهاء مباريات دور الـ16، بلغ إجمالي الحضور 6.259.584 مشجعاً في 96 مباراة، بنسبة إشغال وصلت إلى 99.7%، وبمتوسط 65.204 متفرجين في المباراة الواحدة، وهو رقم يقترب من مضاعفة الرقم القياسي المسجل في مونديال الولايات المتحدة 1994، ويعكس النجاح التنظيمي والتجاري للنسخة الحالية.

وكان ملعب أزتيكا في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي من أبرز الملاعب التي حققت الإشغال الكامل، بعدما امتلأت مدرجاته في جميع المباريات الخمس التي استضافها، بإجمالي تجاوز 404 آلاف متفرج.

ويرى خبراء صناعة التذاكر والضيافة الرياضية أن الإقبال الكبير لا يرتبط فقط بشعبية كرة القدم، بل بتغير طبيعة المشجعين، الذين باتوا ينظرون إلى كأس العالم باعتبارها تجربة حياتية متكاملة.

وأوضح روبسون كارلو، الشريك المؤسس لمنصة «فوتبول كارت»، المتخصصة في إدارة التذاكر، أن شريحة كبيرة من الجماهير الدولية تستثمر آلاف الدولارات في السفر والإقامة والضيافة، لتصبح قيمة التذكرة جزءاً محدوداً من إجمالي تكلفة الرحلة.

وأكد أن تنوع الجماهير بين المشجع التقليدي، والسائح الرياضي، وعشاق الأحداث العالمية، وحتى المسافرين في اللحظات الأخيرة، جعل امتلاء الملاعب أمراً متوقعاً منذ انطلاق البطولة.

ومن أبرز ملامح مونديال 2026 اعتماد نظام التسعير الديناميكي الذي يغير أسعار التذاكر وفقاً لمستوى الطلب، على غرار ما تطبقه شركات الطيران والفنادق والدوريات الرياضية الأمريكية الكبرى، وأدى هذا النظام إلى ارتفاع كبير في أسعار المباريات الأكثر طلباً، حيث تشير التقديرات إلى أن قيمة بعض تذاكر المباراة النهائية تجاوزت 20 ألف يورو في السوق، حسب تقرير نشرته صحيفة «آس».

ويرى الخبراء أن هذا النموذج لم يؤثر في نسب الحضور، بل ساهم في تعظيم الإيرادات، مع الحفاظ على امتلاء الملاعب، في ظل الطلب العالمي الكبير على البطولة، وأكد مويسيس أساياغ، المتخصص في تمويل كرة القدم، أن الأرقام تثبت أن القيمة التي يمنحها المشجعون لتجربة كأس العالم أصبحت تتجاوز حساسية الأسعار، وهو ما يفسر استمرار الطلب المرتفع رغم الزيادات الكبيرة في أسعار التذاكر.

ومن جانبه، أشار جواكيم لو بريت، الرئيس التنفيذي لوكالة «أبسوليت سبورت»، إلى أن الجماهير أصبحت تبحث عن باقات متكاملة تشمل السفر، والإقامة، والضيافة، والخدمات الشخصية، وليس مجرد حضور المباراة، وهو ما أدى إلى نمو الطلب على البرامج الفاخرة المرتبطة بالبطولة.

ولم يقتصر التطور على التذاكر، بل امتد إلى التقنيات المستخدمة داخل الملاعب، وعلى رأسها نظام «فان أي دي»، الذي وفر تجربة رقمية متكاملة لحاملي التذاكر، وأسهم في تسهيل الدخول والخدمات المرافقة للمشجعين.

وأكدت تيروني باز أورتيز، الرئيسة التنفيذية لشركة «إمبلي إلفين تيكتس»، أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من تجربة المشجع، بدءاً من شراء التذكرة وحتى مغادرة الملعب، وهو ما يعزز ارتباط الجماهير بالبطولة.

وشهدت النسخة الحالية أيضاً إقبالاً متزايداً على المقصورات الخاصة وبرامج الضيافة الراقية، التي لم تعد تستهدف عشاق كرة القدم فقط، بل جذبت أيضاً رجال الأعمال ومحبي التجارب الفاخرة، عبر تقديم خدمات متنوعة تشمل المطاعم الراقية، والأنشطة الترفيهية، والخدمات الشخصية داخل الملاعب.

ويرى المتخصصون أن نجاح كأس العالم 2026 يؤكد دخول كرة القدم مرحلة جديدة، أصبحت فيها التذكرة أداة لإدارة الإيرادات، بينما تحولت البطولة إلى منتج عالمي يجمع بين الرياضة والسياحة والترفيه والضيافة.

كما يتوقع أن يدفع النجاح الكبير لنظام التسعير الديناميكي العديد من البطولات والأندية حول العالم إلى تبني النموذج ذاته مستقبلاً، مع الحفاظ على التوازن بين تعظيم الإيرادات وضمان وصول الجماهير إلى الملاعب، بما يحافظ على الهوية الشعبية لكرة القدم ويواكب في الوقت نفسه التحول المتسارع في صناعة الرياضة العالمية.