أكدت بطولة كأس العالم 2026 أن الدوريات المحلية القوية لا تصنع بالضرورة منتخبات قادرة على المنافسة على الألقاب، وأن الطريق الأقصر نحو النجاح العالمي، يبدأ من الاحتراف الخارجي، الذي أثبت مرة أخرى أنه العامل الأكثر تأثيراً من التعاقد مع أسماء بارزة في الكرة العالمية، واستقطابها للمساهمة في عملية التطوير.



والمؤكد أنه لا يمكن التقليل من أهمية وجود دوري محلي قوي، واستقطاب عناصر أجنبية مميزة، لأن هذه الخطوات تسهم في اكتشاف المواهب ورفع مستوى المنافسة، وتوفير بيئة مناسبة لتطور اللاعبين، لكن هذه الخطوات وحدها لا تكفي لصناعة منتخب بطل، بعد أن أثبتت تجربة المونديال أن الفارق الحقيقي يظهر عندما يغادر اللاعب بيئته المحلية، ويخوض تجربة الاحتراف الخارجية.



ويعتبر المنتخب المغربي مثالاً واضحاً على ذلك، بعد أن واصل حضوره القوي في البطولات الكبرى معتمداً على مجموعة من العناصر التي تلعب في الدوريات الأوروبية، ما انعكس إيجاباً على المستوى الفني، وشخصية كل لاعب داخل الملعب، وينطبق الأمر أيضاً على منتخب الرأس الأخضر، الذي خطف الأنظار في البطولة، بفضل عناصره المحترفة في الخارج، إلى جانب منتخبات أفريقية أخرى تجاوزت الأدوار الأولى، وظهرت بصورة لافتة، وكذلك المنتخب السويسري الذي واصل حضوره بين كبار البطولة، مستفيداً من امتلاك معظم لاعبيه خبراتالاحتراف في دوريات خارجية متطورة ومتقدمة.



ولا يقتصر تأثير الاحتراف على الجانب الفني فقط، لكنه يمتد إلى أسلوب حياة اللاعب، لأن الاحتراف الحقيقي يفرض الانضباط، ويغير السلوك اليومي، ويجعل اللاعب أكثر اهتماماً بالتغذية، والاستشفاء، والنوم، والتدريب الفردي، واستثمار وقته بما يخدم مسيرته.



وفي المقابل، يبقى كثير من اللاعبين الذين لا يخوضون تجارب في الخارج، أسرى للروتين اليومي، والانشغالات الاجتماعية، والعادات التي تستهلك جزءاً كبيراً من الوقت والتركيز، مع الوضع في الاعتبار أن خوض تجربة خارجية في معظم التجارب، يكون عبر الانضمام إلى دوريات أفضل، تسهم في تطوير قدرات اللاعب.



كما أن الاحتكاك اليومي بلاعبين من أعلى المستويات، والعمل مع مدربين عالميين، والالتزام بمعايير احترافية دقيقة، يمنح اللاعب فرصة لتطوير شخصيته داخل الملعب، وليس فقط مهاراته الفنية، وهو ما ينعكس لاحقاً على أداء المنتخبات الوطنية.



وتبقى تجربة المصري محمد صلاح، واحدة من أوضح الأدلة على ذلك، لأن موهبته كانت موجودة منذ بداياته في الدوري المصري، لكن انتقاله إلى الاحتراف الأوروبي صقل قدراته، ورفع من مستواه البدني والذهني والتكتيكي، حتى أصبح أحد أفضل لاعبي العالم، وقائداً لمنتخب مصر، ونموذجاً يحتذى به للأجيال الجديدة.



ولذلك، فإن الدرس الأبرز الذي قدمه كأس العالم 2026، يتمثل في أن بناء دوري محلي قوي، هدف مهم، لكنه لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد، بعد أن برهنت التجربة أن صناعة منتخب قادر على المنافسة العالمية، تتطلب أيضاً تصدير المواهب إلى أقوى الدوريات، وليس إلى الاكتفاء بالدوري المحلي، أو التعاقد مع كفاءات من الخارج.