لم يكن الأديب المصري نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للأدب يتخيل عندما شرع في كتابة ثلاثيته «بين القصرين وقصر الشوق والسكرية»، تلك الروائع الأدبية، أن ما كتبه بين السطور وعلى الصفحات سيتحول بين ليلة وضحاها إلى واقع فوق المستطيل الأخضر.

الحالة المصرية في تلك الفترة رفضت التدخلات، وانصاعت فقط للوطن ومريديه من أبنائه، قلم نجيب محفوظ دار بحبره على الصفحات، ليعلن أن الحرية والمجد لن يتحققا إلا بسواعد المصري ابن الوطن، وقد كان، في الثلاثية كانت السياسة هي الملعب والحرية كرة قدم، والنتيجة محسومة مسبقاً قبل انطلاقة الصافرة.



مونديال 2026 جاء ليقرر من دون أن يسمع الآراء، جاء ليعلنها صراحة أن الكرة المصرية مع المدرب المصري «حاجة تانية»، حسام حسن «بصم» على تألقه في قيادة الفراعنة بـ«العشرة»، لا هزيمة في كأس العالم بتلك النسخة، مستوى رائع وأداء متميز أعاد إلى الواجهة قيمة المدرب «المواطن» لكافة المنتخبات.

«الجنرال» محمود الجوهري كان البادئ الأول في سرد «الثلاثية» الكروية ومونديال إيطاليا 90، وكأس أفريقيا أشبه بـ«بين القصرين»، بعده سكن حسن شحاتة «المعلم» في «قصر الشوق» بثلاثية أبطال أفريقيا على التوالي، في حدث نادر وغير تقليدي، قبل أن يطل علينا حسام حسن «العميد» من «السكرية» بأداء ولا أروع في مونديال 2026.



«جنرال» الكرة المصرية

محمود الجوهري الملقب بـ«الجنرال» هو أحد أهم المدربين في تاريخ كرة القدم المصرية، ما قبل توليه مهمة تدريب المنتخب المصري في سبتمبر 1988، كانت العلاقة بين الكرة المصرية وكأس العالم عبارة عن ذكريات ومانشيتات صحف من زمن مضى تعلن مشاركة «الفراعنة» للمرة الأولى في كأس العالم، وتحديداً النسخة الثانية عام 1934 بإيطاليا، قبل أن يقرر الجوهري ومعه نجوم المنتخب المصري، وفي مقدمتهم التوأم إبراهيم وحسام حسن، والمتألقان أحمد الكاس وهشام عبدالرسول التأهل لكأس العالم 1990 في إيطاليا، وتعادل المنتخب المصري مع هولندا 1/1 في أولى مبارياته في المونديال، كما تعادل مع أيرلندا من دون أهداف، وخسر بهدف واحد أمام إنجلترا وخرج من الدور الأول.



تطبيق الاحتراف

عقب التأهل إلى مونديال إيطاليا 90، جاء قرار محمود الجوهري بتطبيق نظام الاحتراف في مصر، وشجع بعض اللاعبين المصريين على خوض تجربة الاحتراف في أوروبا، وعلى الرغم من أن نظام الاحتراف في مصر لا يزال حتى وقتنا لم يؤتِ ثماره بشهادة الجميع، إلا أنه أكد أن الكثير من الإيجابيات ظهرت بوادرها، لكن ينقصها فقط الوعي والالتزام، مع الاعتراف بأن اللاعب المصري أصبح يبذل قصارى جهده لينتقل إلى دوري أفضل، كما أنه فرض قوانين أصبحت قادرة على التحكم في حركة انتقال المواهب والمتميزين إلى أوروبا بدلاً من انتقالها مجاناً دون استفادة الأندية منهم.



لم يكتفِ محمود الجوهري بالتأهل إلى المونديال في إيطاليا، فبعد 8 سنوات كاملة، فازت مصر تحت قيادته بلقب بطولة أمم أفريقيا 1998 في بوركينا فاسو بعد الفوز في النهائي على منتخب جنوب أفريقيا بهدفين نظيفين، وهو أول مدرب يفوز بالأمم الأفريقية لاعباً ومدرباً، حيث حصل على الكأس مع منتخب مصر عامي 1957 و1959، وكان هداف البطولة.



«المعلم» صائد البطولات

حسن شحاتة أو «المعلم» أحد أهم اللاعبين المصريين في تاريخ كرة القدم، وعمل شحاتة في مجال التدريب فور اعتزاله، وسجل نجاحات مع العديد من الأندية المصرية. في 12 أكتوبر 2004 قرر الاتحاد المصري إقالة الإيطالي ماركو تارديلي من منصبه مديراً فنياً لمنتخب مصر بعد انعدام أمل تأهل «الفراعنة» لمونديال ألمانيا 2006، ليعلن رئيس الاتحاد وقتها عصام عبدالمنعم في 28 أكتوبر 2004 تعيين شحاتة مديراً فنياً «مؤقتاً» للمنتخب خلفاً لتارديلي.



قبل إعلان قرار تولي حسن شحاتة مهمة المدير الفني للمنتخب المصري، كان قد حقق العديد من النجاحات مع بعض الأندية المصرية، كما نجح في التتويج بلقب بطولة أفريقيا 2003 مع منتخب مصر للشباب، قبل أن يحقق العديد من الإنجازات المهمة خلال تدريبه لمنتخب «الفراعنة» من 2004 حتى 2011، إذ يُعد أطول من شغل منصب المدير الفني للمنتخب في تاريخ الكرة المصرية، ويُعد الإنجاز الأبرز لـ«المعلم» قيادة المنتخب المصري لإحراز كأس الأمم الأفريقية ثلاث مرات متتالية في أعوام 2006 و2008 و2010، وبذلك يصبح المدرب الوحيد الذي استطاع إحراز 3 بطولات متتالية في الكرة الأفريقية.



7 ألقاب

مع حسن شحاتة أصبح المنتخب المصري أكثر منتخب أفريقي حاز كأس الأمم الأفريقية بسبعة ألقاب، كما صعد بالمنتخب المصري إلى المركز التاسع في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، كما حصل على جائزة الكاف لأفضل مدرب في أفريقيا لعام 2008. وصنف كأفضل مدرب في أفريقيا عام 2010 في ترتيب الاتحاد الدولي لتاريخ وإحصاءات كرة القدم، وجرى اختياره ضمن أفضل 5 مدربين في تاريخ القارة الأفريقية.



«العميد» ومونديال 2026

حسام حسن أو «العميد» كما تطلق عليه جماهير الكرة المصرية، سيرته الذاتية بوصفه مهاجماً فذاً في ملاعب كرة القدم حدّث ولا حرج، فهو أحد أفضل اللاعبين الذين مروا على الكرة المصرية والعربية والأفريقية، كما خاض تجربة الاحتراف في أوروبا، قبل انطلاقة المونديال، ولم يكن أكثر المتشائمين يعتقد أن المنتخب المصري قادر على التأهل من دور المجموعات، ما بين الحلم والواقع دارت الأسئلة واختلفت الإجابات. حسام حسن وحده كان يؤمن بأن الأقدار تخبئ له الأحداث السعيدة، وهو القادر على اتخاذ القرار والمواجهة.

مرحلة فارقة

ما قدمه حسام حسن مع المنتخب المصري في مونديال 2026 مرحلة فارقة في عمر الكرة المصرية، ولربما العربية والأفريقية، صرخة مدوية بأن المدرب الوطني هو الأجدر بتدريب منتخب بلاده، هو من يزرع حب الوطن في نفوس لاعبيه وقت التدريبات، ويذكرهم بأن هناك من يتمنى الفرحة من أبناء جلدتهم، هو من يحفظ النشيد الوطني ويبكي لحظات الفرح، ويحزن إذا ضاع الحلم، هي رسالة لكل الدول العربية؛ يجب الاعتماد على المدرب الوطني، لأنه الأقدر على فهم هوية الكرة المحلية وطبيعة اللاعبين، والتعامل معهم نفسياً وفنياً، بينما يظل المدرب الأجنبي خياراً مناسباً أكثر للأندية من المنتخبات.



ذكريات 40 عاماً

أرقام «العميد» حسام حسن مع المنتخب المصري في مونديال 2026 كسرت القوالب النمطية، وطمست ذكريات ظل يتداولها عشاق الكرة المصرية منذ 40 عاماً، هو من جاء بالجديد وفتح باباً للحلم وتغيير الواقع الكروي، ما تحقق حتى الآن في مونديال 2026 هو بداية لمرحلة جديدة من الطموح، ويكفي حجز بطاقة التأهل إلى دور الـ16 عقب فوز مثير على منتخب أستراليا بركلات الترجيح 4-2، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل 1-1، ليضرب موعداً من العيار الثقيل مع منتخب الأرجنتين، حامل اللقب، الثلاثاء المقبل على ملعب أتلانتا، ضمن منافسات دور الـ16 من البطولة، في لقاء يحظى بترقب عالمي واسع.