تحولت العواصم والمدن العربية من الخليج إلى المحيط إلى ساحات احتفال عارمة، ابتهاجاً بالإنجاز التاريخي غير المسبوق للمنتخب المصري بتأهله إلى دور الستة عشر لبطولة كأس العالم 2026، لأول مرة في تاريخه، إثر فوزه الملحمي على نظيره الأسترالي بركلات الترجيح الحاسمة، لتتجاوز أصداء هذا الفوز حدود المستطيل الأخضر وترسم لوحة تضامن أخوي استثنائية امتزجت فيها مشاعر الفخر القومي بالبهجة الرياضية العفوية.



وتجسدت مظاهر هذه الفرحة الشاملة في تزين المعالم الكبرى بألوان العلم المصري، وفي مقدمتها برج خليفة في دبي، تزامناً مع تدفق قوافل التهنئة الرسمية والشعبية من مختلف الأقطار العربية، في حين شهدت الساحات العامة والمجمعات التجارية في الكويت والسعودية والإمارات احتفالات صاخبة واحتشاداً بالآلاف من المواطنين وأبناء الجاليات الذين أطلقوا الهتافات والأناشيد، وهو المشهد الذي تكرر في دول المغرب العربي، لا سيما في شوارع طرابلس وبنغازي بليبيا التي تحولت إلى مسيرات سيارات ضخمة.



وقد انعكس هذا الإنجاز التاريخي بشكل واسع على واجهات كبريات الصحف الرياضية العربية والعالمية الصادرة، اليوم السبت، حيث تصدرت احتفالات الفراعنة العناوين الرئيسية؛ فبينما عنونت صحيفة اليوم السابع المصرية بأن التأهل التاريخي هزّ أركان المونديال بعد إقصاء الكنغارو الأسترالي بركلات الترجيح، أشارت الشرق للأخبار إلى أن مصر تواصل رحلة إعجازية ملهمة في البطولة.



ومن جانبها احتفت الصحافة الخليجية والعربية بهذا العبور، إذ أكدت جريدة الوطن الكويتية أن الفراعنة كتبوا التاريخ بركلات الترجيح ليضربوا موعداً مرتقباً مع الأرجنتين، في حين أشادت قناة المملكة الأردنية بإرادة الفراعنة التي قهرت المستحيل، ولم يقتصر الصدى على الشاشات العربية، بل امتد للعالمية؛ حيث ذكرت صحيفة ليكيب الفرنسية أن الفراعنة كسروا عقدة عقود طويلة، وحققوا محطة فارقة هي الأولى من نوعها منذ أول ظهور لهم عام 1934، وصفتها شبكة بي بي سي البريطانية بالفوز الملحمي.

بينما ركزت صحيفة ماركا الإسبانية على مواصلة مصر لرحلتها الاستثنائية وتجاوزها العقبات بنجاح، بالتزامن مع إشادة كالتشيو ميركاتو الإيطالية بالشخصية القوية والتاريخية التي ظهر بها المنتخب المصري، وإبراز صحيفة ميرور البريطانية للثبات الانفعالي التام للاعبين في ركلات الترجيح الحاسمة.



ويحمل هذا العبور التاريخي أبعاداً كروية، كونه تثبيتاً قوياً للحضور العربي في الأدوار المتقدمة لكأس العالم بلحاق مصر بشقيقتها المغرب في ثمن النهائي، ما يبرهن على تصاعد أسهم الكرة العربية وقدرتها المستمرة على مجاراة أكبر المدارس الكروية العالمية ومقارعتها بندية وإصرار.



وتعود هذه الفرحة الطاغية وغير المشروطة من الجماهير العربية إلى المكانة الوجدانية والتاريخية العميقة التي تحظى بها مصر كشقيقة كبرى في قلوب الشعوب من المحيط إلى الخليج، حيث يُنظر إلى أي انتصار مصري على أنه انتصار مباشر لكل بيت عربي.

كما أثبتت هذه الليلة مجدداً أن كرة القدم هي المحرك الأسرع لجسد التضامن والعروبة العفوية، حيث تتوحد المشاعر خلف أي ممثل للضاد في المحافل الدولية، مدفوعةً كذلك بالشعبية الجارفة لنجوم عالميين مثل محمد صلاح، والإعجاب الشديد بالروح القتالية العالية والملحمة العصيبة التي خاضها الفراعنة طوال الأشواط الإضافية وركلات الترجيح، لتتحول هذه البطاقة الرياضية إلى ليلة قومية بامتياز توحدت فيها النبضات العربية خلف راية واحدة.