تشهد نهائيات كأس العالم 2026 ظاهرة متنامية تتمثل في حسم المباريات خلال الثواني الأخيرة عبر قرارات تقنية الفيديو المساعد للحكام (VAR). وقد أدت هذه التدخلات المتأخرة — سواء باحتساب أهداف، أو إلغائها، أو إقرار ركلات ترجيح حاسمة — إلى تغيير نتائج المباريات بشكل جذري، مما خلق حالة من الترقب والضغط النفسي الجماهيري غير المسبوق.

وتتقاطع هذه الإثارة الكروية الحديثة مع تقنيات التشويق الأساسية في تاريخ السينما. ووفقاً لما يوثقه المؤرخ السينمائي والأكاديمي ديفيد بوردويل في دراساته التحليلية حول تطور السرد الفيلمي، يُعد المخرج الأمريكي الرائد ديفيد وورك غريفيث هو المبتكر الأول لتقنية "الإنقاذ في اللحظة الأخيرة" أو "إبطال القنبلة" قبل انفجارها بثوانٍ معدودة. وتتجلى هذه الحبكة السينمائية، التي تعتمد على التلاعب بأعصاب المشاهدين وتأجيل الحسم حتى الرمق الأخير وتغيير المسار فجأة، بشكل واقعي ويومي في ملاعب المونديال عبر شاشات الـ (VAR).

وتجسدت هذه الدراما بأوضح صورها في إحدى أبرز مواجهات البطولة الإقصائية، حيث شهدت مباراة البرتغال وكرواتيا في دور الـ 32 من بطولة كأس العالم 2026 إثارة تاريخية وحبسًا للأنفاس لم يسبق له مثيل في النهائيات الحالية، خاصة بعد دخول المواجهة في الدقائق المحتسبة بدلاً من الضائع.

فبعد انتهاء الوقت الأصلي بالتعادل، أعلن الحكم عن احتساب 10 دقائق كاملة كوقت بديل، لتتحول المباراة إلى ساحة من التقلبات الدراماتيكية غير المتوقعة.

وبدأت فصول الإثارة في الدقيقة الرابعة من الوقت المبدد عندما نجح المهاجم البرتغالي غونزالو راموس في إحراز الهدف الثاني لمنتخب بلاده، مانحًا البرتغال التقدم بنتيجة هدفين مقابل هدف، ليظن الجميع أن بطاقة التأهل قد حُسمت لرفاق رونالدو.

إلا أن الإصرار الكرواتي أعاد اللقاء إلى نقطة الصفر في الدقيقة الثالثة عشرة بعد التسعين حينما ارتقى المدافع يوشكو جفارديول ليسجل هدف تعادل قاتل صعق به المدرجات البرتغالية.

ولم تكد الفرحة الكرواتية تكتمل حتى تدخلت تقنية الفيديو المساعد للحكام في الدقيقة الخامسة عشرة بعد التسعين لتلغي هدفًا كرواتيًا آخر بداعي التسلل، وسط اعتراضات واسعة أدت إلى اندلاع أعمال شغب جماهيرية في المدرجات تسببت في إيقاف اللعب من قِبل الحكم لمدة دقيقة كاملة لاستعادة الهدوء.

واستمر التوتر والضغط العصبي حتى أطلق الحكم صافرة النهاية المعلنة عن فوز البرتغال وتأهلها رسميًا في الدقيقة التاسعة عشرة بعد التسعين، لتسجل هذه المواجهة المجنونة اسم كأطول مباراة في تاريخ كأس العالم 2026 لم تمتد إلى الأشواط الإضافية.

ولم تكن حادثة مباراة البرتغال وكرواتيا يتيمة في المونديال الحالي؛ ففي دور المجموعات، عاشت الجماهير سيناريو مشابهًا بالغ القسوة في مباراة حاسمة جمعت بين المنتخبين المصري والإيراني. ففي الوقت بدل الضائع من عمر اللقاء، وبينما كانت النتيجة تشير إلى التعادل بهدف لمثله، نجح المدافع الإيراني شجاع خليل زاده في تسجيل هدف قاتل في الدقيقة الخامسة بعد التسعين، وهو الهدف الذي كان كفيلًا بصعود إيران إلى الدور التالي. وعقب احتفال هيستيري للاعب الإيراني ظنًا بأن بطاقة التأهل باتت في أيديهم، تدخلت تقنية (VAR) لتلغي الهدف بداعي التسلل. أدى هذا القرار المباغت إلى انتهاء المباراة بالتعادل بنتيجة هدف لمثله، لتودع إيران البطولة، في مشهد جسّد ذروة الإثارة والتحولات الدراماتيكية في الثواني الأخيرة.

أما في دور الـ 32، فقد كان تدخل الـ (VAR) حاسمًا في إنقاذ فريق وتوديع آخر في اللحظة الأخيرة من عمر المواجهة الإقصائية بين بلجيكا والسنغال. فبعد التوجه إلى الأوقات الإضافية، وفي الثواني الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني للمباراة التي كانت متجهة حتمًا نحو ركلات الترجيح، أوقف الحكم اللعب للعودة إلى شاشة تقنية الفيديو إثر سقوط اللاعب البلجيكي يوري تيليمانس داخل منطقة الجزاء بعد احتكاك مع اللاعب السنغالي لامين كامارا. وبعد المراجعة، قرر الحكم احتساب ركلة جزاء دراماتيكية للمنتخب البلجيكي في الدقيقة العشرين بعد المائة. انبرى يوري تيليمانس نفسه لتسديد الركلة بنجاح في الدقيقة الخامسة بعد المائة والعشرين، مسجلاً هدف الفوز القاتل الذي منح بلاده بطاقة العبور إلى دور الـ 16، ليقصي المنتخب السنغالي في سيناريو يحاكي تمامًا حبكة إبطال القنبلة الموقوتة قبل انفجارها بثانية واحدة.