رغم بلوغه الأربعين من عمره، لا يزال لوكا مودريتش يقدم نفسه نموذجاً نادراً للاستمرارية في كرة القدم الحديثة، محافظاً على مكانه بين نخبة لاعبي العالم بفضل مزيج من الانضباط البدني، والذكاء التكتيكي، والخبرة المتراكمة على مدار أكثر من عقدين من المنافسة في أعلى المستويات.
ويستعد قائد المنتخب الكرواتي لخوض مباراة جديدة من العيار الثقيل أمام البرتغال في دور الـ32 من كأس العالم 2026، في مواجهة تجمع أيضاً بين اثنين من أكثر اللاعبين قدرة على تحدي عامل السن، هما مودريتش وكريستيانو رونالدو.
ويدخل نجم كرواتيا اللقاء بعدما كتب فصلاً جديداً في سجله التاريخي، عندما أصبح أكبر لاعب سناً يصنع هدفاً في تاريخ كأس العالم، إثر تمريرته الحاسمة أمام غانا وهو بعمر 40 عاماً و291 يوماً، ليؤكد أن تأثيره داخل الملعب لا يزال حاضراً رغم تقدمه في العمر، حسب تقرير نشره الاتحاد الدولي للكرة (فيفا).
كفاءة استثنائية
لا يعتمد مودريتش على القوة البدنية التقليدية بقدر ما يستند إلى خصائص جسدية مثالية للاعبي الوسط. فبوزن يقل قليلاً عن 66 كيلوجراماً، يتمتع برشاقة عالية، وتوازن لافت، وسرعة في تغيير الاتجاه، إلى جانب قدرة كبيرة على التحمل.
كما يمنحه مركز ثقله المنخفض أفضلية في حماية الكرة تحت الضغط، والدوران في المساحات الضيقة، والتخلص من الرقابة بأقل مجهود ممكن، فيما تساعد بنيته الخفيفة على تقليل الضغط الواقع على المفاصل والعضلات، الأمر الذي أسهم في إطالة مسيرته الاحترافية.
ورغم مظهره النحيل، يمتلك مودريتش قوة بدنية ملحوظة في الالتحامات الثنائية، خصوصاً عند استلام الكرة وظهره لمرمى المنافس، حيث يعتمد على التوازن أكثر من القوة العضلية في الحفاظ على الاستحواذ.
برنامج يومي
سر الاستمرارية لا يكمن في الموهبة وحدها، بل في الالتزام الصارم ببرنامج إعداد بدني متكامل، وبحسب مدربه الشخصي فلاتكو فوتشيتش، الذي يشرف على إعداده منذ عام 2012، يؤدي مودريتش برنامجاً تدريبياً خاصاً لمدة 45 دقيقة قبل كل حصة تدريبية، ويلتزم به نحو 350 يوماً سنوياً.
ويتضمن البرنامج تمارين باستخدام أحزمة المقاومة، وتقوية عضلات الذراعين والكتفين والجذع والساقين، مع التركيز على الوقاية من الإصابات والمحافظة على الكتلة العضلية، خصوصاً بعد تجاوز سن الثلاثين.
وأكد فوتشيتش أن الهدف الأساسي كان إطالة المسيرة الاحترافية والحفاظ على أعلى مستويات اللياقة، لافتاً إلى أن العمر الأيضي لمودريتش عندما كان في التاسعة والثلاثين كان أقل من 30 عاماً، وهو مؤشر يعكس جودة برنامجه البدني.
السلاح الخفي
لا يقتصر تفوق قائد كرواتيا على الجانب البدني، إذ يؤكد المقربون منه أن ذكاءه الكروي يمثل العامل الأهم في استمراره، فمودريتش نادراً ما يركض بلا هدف، ويقرأ تفاصيل اللعب قبل وصول الكرة إليه، ويحدد خياراته مسبقاً، ما يقلل من استهلاك طاقته ويمنحه أفضلية في اتخاذ القرار.
كما أن خبرته الطويلة ساعدته على تعويض التراجع الطبيعي في السرعة، ليواصل التحكم في إيقاع المباريات، وصناعة الفرص، وإدارة وسط الملعب بالكفاءة نفسها التي عرف بها طوال مسيرته.
أرقام نادرة
خاض مودريتش أكثر من 1150 مباراة رسمية مع الأندية والمنتخب، متنقلاً بين دينامو زغرب وتوتنهام وريال مدريد، قبل انتقاله إلى ميلان، حيث واصل تقديم مستوياته المميزة.
وخلال 13 موسماً مع ريال مدريد، شارك في 597 مباراة، وتوج بـ28 لقباً، بينها ستة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، ليصبح أحد أكثر لاعبي الوسط تتويجاً في تاريخ اللعبة.
وعلى الصعيد الدولي، يخوض قائد كرواتيا مشاركته الخامسة في كأس العالم، بعدما ارتدى قميص المنتخب لأول مرة عام 2006، ووصل رصيده إلى أكثر من 200 مباراة دولية.
سجل صحي
من أبرز أسرار استمرار مودريتش، ندرة إصاباته العضلية الخطيرة، إذ تشير الإحصاءات إلى أنه غاب بسبب الإصابات نحو 250 يوماً فقط طوال مسيرته الاحترافية، مقابل أكثر من سبعة آلاف يوم قضاها لاعباً محترفاً.
كما لم يتجاوز عدد المباريات التي غاب عنها بسبب الإصابة نحو 60 مباراة، وكانت إصابة الفخذ عام 2014 هي الأكثر تأثيراً، بينما اقتصرت معظم إصاباته في السنوات الأخيرة على مشكلات بسيطة لم تمنعه من العودة سريعاً إلى الملاعب.
ويدخل مودريتش مواجهة البرتغال وهو يدرك أن المعركة ستحسم في وسط الملعب، حيث سيكون مطالباً بقيادة إيقاع اللعب، ومقاومة الضغط البرتغالي، واستثمار خبرته في إدارة اللحظات الحاسمة.
وبينما يواصل كثيرون التساؤل عن سر قدرته على المنافسة في سن الأربعين، تبدو الإجابة واضحة، فاستمرارية قائد كرواتيا ليست نتاج الموهبة فقط، بل ثمرة سنوات من الانضباط، والإعداد العلمي، والذكاء التكتيكي، والاحترافية التي جعلته واحداً من أعظم لاعبي خط الوسط في تاريخ كرة القدم، ولا يزال حتى اليوم قادراً على صناعة الفارق على أكبر مسارح اللعبة.