قدم عبدالله حسن، الخبير الكروي والمحاضر المعتمد لدى الاتحادين الدولي والآسيوي لكرة القدم، قراءة فنية شاملة لمجريات كأس العالم 2026 بعد ختام الجولة الثانية من دور المجموعات، والتي شهدت مشاركة 48 منتخباً، وكشفت الكثير من الملامح التكتيكية والفنية للمنتخبات المشاركة.
وأشار إلى إنه مع نهاية الجولة الثانية، نجحت منتخبات ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك والأرجنتين وفرنسا والنرويج وكولومبيا، في حصد العلامة الكاملة برصيد 6 نقاط من مباراتين، لتحجز مقاعدها مبكراً في دور الـ32، فيما تنتظر بقية المنتخبات الجولة الثالثة الحاسمة لتحديد مصيرها، خصوصاً في ظل استمرار فرصة التأهل عبر بوابة أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث، وهي معادلة لا تزال تحمل بين طياتها الكثير من قصص الفرح وخيبات الأمل.
وأكد عبدالله حسن، أن البطولة بدأت تكشف عن اتجاهات تكتيكية واضحة، حيث أعادت بعض الأفكار الكلاسيكية إلى الواجهة، بالتوازي مع تطبيقات حديثة تتماشى مع متطلبات كرة القدم المعاصرة، مشيراً إلى أن أبرز ملامح المشهد الفني يمكن تلخيصها في خمسة محاور رئيسية، وهي فاعلية طريقة 4-4-2، واللعب القُطري، والمهاجم الوهمي، ومرونة لاعبي الوسط، والضغط المرحلي.
وأوضح أن عودة طريقة 4-4-2، تعد واحدة من أبرز المفاجآت التكتيكية في البطولة، نظراً لما توفره من سهولة في التنظيم الدفاعي وتوازن أفقي عبر الملعب، فضلاً عن أن ضيق الوقت المتاح للمنتخبات للعمل على أنظمة أكثر تعقيداً، إلى جانب الظروف المناخية الصعبة، جعلا من الصعب تطبيق الضغط العالي المستمر.
وأضاف أن النظام يعتمد دفاعياً على كتلتين واضحتين من أربعة لاعبين مع ضغط انتقائي في لحظات محددة والاعتماد على الدفاع المتوسط «منتصف الكتلة»، لكنه في المقابل يترك مساحات بين خطي الوسط والدفاع يمكن استغلالها من قبل المنافسين.
وأشار إلى أن اللعب القُطري أصبح أحد أهم الحلول الهجومية لكسر الكتل الدفاعية المنظمة، خصوصاً أن نظام 4-4-2 يحد من فعالية التمريرات العمودية المباشرة والتحركات الجانبية التقليدية، بينما يصعب التعامل مع التمريرات القطرية والتحركات من الخارج إلى الداخل والعكس.
وبيّن أن هذا الأسلوب يساهم في كسر الخطوط الدفاعية وخلق التفوق العددي والوصول إلى أنصاف المساحات، إضافة إلى فتح زوايا تمرير جديدة تمنح الفرق حلولاً هجومية أكثر تنوعاً.
وفي محور المهاجم الوهمي، أكد عبدالله حسن، أن البطولة شهدت تزايداً ملحوظاً في الاعتماد على المهاجم المتحرك بدلاً من رأس الحربة التقليدي، حيث يتراجع اللاعب من الخط الأمامي إلى الوسط أو حتى إلى الأطراف، ما يضع المدافعين أمام خيارين صعبين، إما الخروج لمراقبته وترك مساحات خلفهم، أو منحه حرية الحركة بين الخطوط.
وأوضح أن هذا الدور ساهم في خلق زيادة عددية داخل وسط الملعب، وتسهيل الاستحواذ، وفتح المساحات أمام اللاعبين القادمين من الخلف، ولفت إلى أن مرونة لاعبي الوسط أصبحت من أبرز سمات البطولة، حيث تخلت العديد من المنتخبات عن فكرة المراكز الثابتة لصالح الحركة المستمرة والتقارب في المساحات الصغيرة، بهدف جذب المنافس للضغط ثم استغلال المساحات الناتجة خلف خطوطه.
وأشار إلى أن هذه الفكرة ساعدت على خلق تفوق عددي وتسريع عملية التمرير وتحرير اللاعبين في المناطق المتقدمة، معتبراً أن منتخب الولايات المتحدة الأمريكية يقدم أحد أفضل النماذج التطبيقية لهذا المفهوم.
وعن الضغط الدفاعي، أوضح أن الظروف المناخية الصعبة التي تشهدها العديد من المدن المستضيفة دفعت المنتخبات إلى التخلي تدريجياً عن الضغط العالي المستمر، واستبداله بما يعرف بالضغط المرحلي أو المتقطع.
وأضاف أن هذا الأسلوب يعتمد على تنفيذ ضغط مكثف لفترات قصيرة وفي أوقات مدروسة، قبل العودة إلى التنظيم الدفاعي المتوسط، بما يساهم في توفير الطاقة والحفاظ على الجاهزية البدنية وتقليل المساحات بين الخطوط وزيادة فعالية التحولات الهجومية.
وواصل عبدالله حسن قراءته بالتأكيد على أن كأس العالم 2026 أثبت حتى الآن أن النجاح لا يرتبط بتعقيد الأفكار التكتيكية أو كثرة الاستحواذ، بل يعتمد على جودة التنظيم الدفاعي، والقدرة على استغلال المساحات بذكاء، وإدارة الجهد البدني، والتكيف مع ظروف المباراة والمنافس.
وأشار إلى أن البطولة تعكس بوضوح تطور كرة القدم الحديثة من التركيز على التشكيل والأرقام المكتوبة على ورقة المباراة إلى التركيز على السلوك الجماعي والمرونة التكتيكية أثناء اللعب، مؤكداً أن المنتخبات الأكثر نجاحاً حتى الآن لم تكن الأكثر هجوماً أو استحواذاً، بل الأكثر قدرة على التأقلم والتكيف مع متغيرات المباريات.