كلما لامس البرتغالي كريستيانو رونالد المجد واقترب من عرش كرة القدم، يجد من سبقه على العرش، يجد القمة ليست خالية، فقد سبقه للمجد الأرجنتيني ليونيل ميسي، صراع قط وفأر بين أفضل لاعبين في التاريخ الكروي لا ينتهي، صراع دائما ما يربحه الأرجنتيني منغصاً على البرتغالي اجتهاده وسعيه عبر أكثر من 24 عام من التنافس بين الثنائي.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن كريستيانو رونالدو ليس مجرد لاعب كرة قدم تقليدي، بل هو ظاهرة استثنائية وآلة بشرية لتسجيل الأهداف، بنى مجده بالالتزام المطلق والعمل الدؤوب. ولكن، على الرغم من هذه العظمة المطلقة، يبقى ميسي عائقاً وحيداً نغّص عليه هذا التفرد، وهو وجود النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي.
ولولا تزامن مسيرة اللاعبين في نفس الحقبة الزمنية، لانفرد رونالدو بعرش تاريخ اللعبة دون منازع أو شريك، فبات ميسي نقطة داكنة في ثوب رونالدو الأبيض من الإنجازات الدولية وحتى على مستوى الأندية.
وفقاً للإحصائيات الرسمية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، يتربع رونالدو على عرش الهداف التاريخي لبطولة دوري أبطال أوروبا برصيد 140 هدفاً.
وبحسب سجلات موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية والاتحاد الدولي لتاريخ وإحصاءات كرة القدم (IFFHS)، يُعد "الدون" الهداف التاريخي لكرة القدم على مستوى المنتخبات، والهداف التاريخي للعبة بشكل عام.
على صعيد الألقاب، حقق رونالدو 5 بطولات في دوري أبطال أوروبا، بالإضافة إلى تتويجه ببطولة أمم أوروبا مع المنتخب البرتغالي.
هذه الأرقام الإعجازية كانت كفيلة بتنصيبه "ملكاً متوجاً" وحيداً للعبة، لولا أن وضع القدر في طريقه عقبة تُدعى ليونيل ميسي.
فاستناداً إلى السجلات الرسمية لمجلة فرانس فوتبول الفرنسية، تفوق ميسي في سباق الكرة الذهبية محققاً الجائزة 8 مرات، مقابل 5 مرات لرونالدو.
كما حصد ميسي جائزة الحذاء الذهبي 6 مرات مقابل 4 لرونالدو، وفقاً لإحصائيات الاتحاد الأوروبي لوسائل الإعلام الرياضية (ESM).
أما الضربة القاضية التي وسّعت الفجوة، فكانت تتويج ميسي بكأس العالم 2022 في قطر، وهي البطولة التي يوثقها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) كأهم إنجاز كروي، والتي حسمت جدل "الأفضل في التاريخ" لدى قطاع واسع من الجماهير والنقاد.
ورغم تساوي اللاعبين في عدد بطولات كأس العالم التي شاركا فيها إلا أن الأرجنتيني تفوق في عدد الأهداف بعدما سجل 18 هدفاً مقابل 10 أهداف للنجم البرتغالي.
ولم يقتصر الأمر على مجرد تنافس رياضي داخل المستطيل الأخضر؛ بل انعكست وطأة هذه الأرقام على رونالدو، وتجلت في مواقف وتصريحات موثقة تُظهر عدم تقبله لفكرة تفوق ميسي أو اللحاق بأرقامه القياسية، وكان آخرها عقب لقاء أوزبكستان الذي شهد عودة النجم البرتغالي للتهديف وتسجيله هدفين من أصل خماسية سجلها منتخب بلاده، تجاهل رونالدو الرد على سؤال صحفي حول ميسي، ونظر له رونالدو ثم طالب بالسؤال التالي دون الإجابة على السؤال.
وفي ديسمبر 2021، وعقب فوز ميسي بالكرة الذهبية السابعة، رصدت شبكة "إي إس بي إن" الرياضية تعليقاً من الحساب الرسمي لكريستيانو رونالدو على منصة "إنستغرام". اكتفى رونالدو بكتابة كلمة "FACTOS" (حقائق) مع رمز تعبيري مؤكد، رداً على منشور من أحد مشجعيه يقلل فيه من أحقية ميسي بالجائزة ويهاجمه بشدة، مما عكس مدى تأثر رونالدو شخصياً بالأمر.
وفي كتابه الصادر عام 2022، فجر الصحفي الفرنسي تيري مارشان من صحيفة "ليكيب" مفاجأة بتوثيقه محادثة جمعته برونالدو عام 2019، قال فيها الأخير نصاً: "من السهل أن تبقى في منطقة الراحة الخاصة بك، ميسي لم يغادر برشلونة أبداً.. إذا فاز ميسي بالكرة الذهبية هذا العام، سأعتزل كرة القدم". يكشف هذا التصريح بوضوح عن حجم الضغط النفسي الذي سببه تفوق ميسي.
وخلال المقابلة التلفزيونية الشهيرة مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان عام 2019 عبر شبكة (ITV)، سُئل رونالدو عن الرقم القياسي الذي يتمنى إنهاء مسيرته به، فأجاب بوضوح: "أكبر عدد من الكرات الذهبية في تاريخ كرة القدم. أود ذلك، وأعتقد أنني أستحقه. ميسي فتى رائع، لكن أعتقد أنه يجب أن أحصل على 6 أو 7 أو 8 كرات لأتفوق عليه".
وفي حفل جوائز "غلوب سوكر" في يناير 2024، صرح رونالدو بأن "الدوري السعودي أفضل من الدوري الفرنسي"، في إشارة مبطنة اعتُبرت على نطاق واسع تقليلاً من قيمة الفترة التي قضاها ميسي في صفوف باريس سان جيرمان، ومحاولة لتعزيز قيمة إنجازاته الحالية على حساب غريمه التقليدي.
كريستيانو رونالدو يظل أحد أفضل اللاعبين في كرة القدم وتاريخه الأسطوري سيظل محفوراً في سجلات كرة القدم إلى الأبد، إلا أن الحقيقة التي توثقها التصريحات والأرقام والمواقف، تؤكد أن ليونيل ميسي سيبقى دائماً تلك النقطة الداكنة التي منعت "ثوب رونالدو الأبيض" من التفرد المطلق، والهاجس الذي جعل النجم البرتغالي يشعر دوماً بأن هناك خطوة مفقودة لبلوغ الكمال الكروي.