باتت بطولة كأس العالم 2026 شاهدة على تحول غير مسبوق في خريطة التدريب الدولي، بعدما فرض عدد من أبرز مدربي العالم بصمتهم بقوة على المنافسات، في مشهد يعكس انتقال المنتخبات الكبرى إلى مرحلة جديدة عنوانها: «الاستثمار في المدرب النجم».
وبينما اعتادت المنتخبات الوطنية في الماضي الاعتماد على مدربين ذوي خبرة دولية محدودة أو أسماء بعيدة عن دائرة النخبة الأوروبية، جاءت النسخة الحالية لتؤكد أن كبار المدربين باتوا جزءاً أساسياً من معادلة النجاح، وربما العامل الأكثر تأثيراً في رسم ملامح البطولة.
وكان المشهد لافتاً بعد فوز إنجلترا المثير على كرواتيا 4-2، حين تبادل مدرب «الأسود الثلاثة» توماس توخيل العناق مع مواطنه يورغن كلوب، في لقطة اختصرت حجم الحضور الألماني وتأثير مدارس التدريب الحديثة في البطولة.
ويعد توخيل أحد أبرز رموز هذا التوجه الجديد، بعدما نجح سريعاً في فرض رؤيته على المنتخب الإنجليزي، واتخذ قرارات جريئة أثارت الجدل قبل البطولة، لكنها أثبتت فعاليتها على أرض الملعب، إذ أعاد توظيف جود بيلينغهام بأدوار متعددة، ومنح الثقة لعناصر جديدة، ليبدو المنتخب أكثر توازناً ومرونة من أي وقت مضى.
وفي الجهة الأخرى، يواصل كارلو أنشيلوتي إثبات قدرته الاستثنائية على إدارة النجوم، بعدما قاد البرازيل لتجاوز بدايتها المتعثرة، مستفيداً من تغييرات مؤثرة أبرزها الدفع بالمهاجم ماتيوس كونيا أساسياً، إلى جانب إعادة توظيف فينيسيوس جونيور بطريقة منحت «السيليساو» حلولاً هجومية أكثر تنوعاً.
أما ماوريسيو بوتشيتينو، فنجح في تحويل المنتخب الأمريكي إلى أحد أبرز مفاجآت البطولة، بعدما قاده إلى صدارة مجموعته، وأعاد الثقة لجماهير كانت تبحث منذ سنوات عن منتخب قادر على المنافسة أمام الكبار.
وفي ألمانيا، يواصل المدرب الشاب جوليان ناغلسمان، تقديم نفسه كأحد ألمع العقول التدريبية في العالم، بعدما أعاد المانشافت إلى واجهة المنافسة العالمية، محققاً سلسلة نتائج مميزة أعادت الهيبة إلى بطل العالم السابق.
ولا يقتصر المشهد على هؤلاء فقط، إذ يواصل كل من ليونيل سكالوني وديدييه ديشامب، ترسيخ مكانتهما بين كبار المدربين، بعدما قادا منتخبيهما إلى المجد العالمي في السنوات الأخيرة.
ويبدو أن نجاح هذه الأسماء قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من المدربين الكبار للانتقال إلى العمل الدولي مستقبلاً، فاسم كلوب يظل مطروحاً بقوة لقيادة ألمانيا أو الولايات المتحدة مستقبلاً، فيما يتواصل الحديث عن إمكانية دخول بيب غوارديولا عالم المنتخبات بعد سنوات طويلة من النجاح مع الأندية.
كما يترقب الشارع الفرنسي وصول زين الدين زيدان لخلافة ديشامب، في خطوة قد تمنح المنتخب الفرنسي حقبة جديدة بقيادة أحد أعظم أساطير اللعبة، ويبدو من عبقرية الخطط التكتيكية، وإدارة النجوم، والقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة تحت الضغط، أن كأس العالم 2026 لا تلعب فقط بأقدام اللاعبين، بل أيضاً بعقول المدربين، في نسخة قد تؤسس لعصر جديد تصبح فيه قيمة المدرب النجم مساوية تقريباً لقيمة النجم داخل المستطيل الأخضر.