يتحول المونديال الحالي المقام في الولايات المتحدة إلى مرآة حية تعكس التنوع الديموغرافي الفريد للبلاد، حيث تلعب أحياء الجاليات والمهاجرين دوراً محورياً في صياغة المشهد التشجيعي، محولةً المدن الأمريكية إلى ساحات عرض لثقافات كروية متعددة؛ وتبرز هذه الأحياء، الممتدة من «ليتل سينيغال» في نيويورك إلى المقاطعات اللاتينية في لوس أنجلوس وهيوستن، كبؤر نابضة بالدعم الجماهيري الذي يمنح المنتخبات العالمية شعوراً باللعب على أرضها وبين جماهيرها، مستفيدة من وجود ملايين المقيمين الذين يحملون بداخلهم شغف بلدانهم الأصلية إلى جانب هويتهم الجديدة.
ورصدت التقارير الإعلامية في الصحافة الأمريكية هذا الحراك الجماهيري الاستثنائي؛ إذ أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» وشبكات إخبارية مثل «إن بي سي» إلى أن أحياء المهاجرين باتت تمثل «المناطق البديلة للمشجعين»، حيث تُنظم الجمعيات المحلية للجاليات شاشات عرض عملاقة وتجمعات احتفالية في الشوارع والمقاهي والمحلات التجارية، لتعويض النقص في الجماهير القادمة من الخارج، ولا سيما في ظل القيود الصارمة المفروضة على تأشيرات الدخول وارتفاع أسعار تذاكر المباريات في الملاعب الرسمية. ووفقاً لتقرير نشرته شبكة «ميدل إيست آي» ومتابعات محلية في نيويورك، فإن أحياء مثل شارع 116 في مانهاتن شهدت تدفقاً لآلاف المشجعين من مختلف الولايات لدعم منتخب السنغال، مؤكدين أن الجالية المحلية أخذت على عاتقها ملء الفراغ الناتج عن تعذر وصول المشجعين من داكار.
وفي المقابل، لم تخلُ التغطيات الإعلامية الأمريكية من تتبع الأبعاد السياسية والحقوقية المصاحبة لهذا الزخم الجماهيري؛ وسلطت تقارير لـ «معهد السياسة الهجرية» ومنظمات حقوقية مثل «هيومن رايتس ووتش» الضوء على حالة التوجس التي تشوب بعض هذه الأحياء نتيجة لانتشار وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية، مثل وكالة الهجرة والجمارك (ICE)، حول الملاعب والمناطق الحيوية، وهو ما دفع بعض نقابات العمال في الملاعب والمنظمات المحلية إلى التعبير عن مخاوفهم من تأثر العائلات والمهاجرين بهذه الإجراءات، ليرتبط الشغف الرياضي داخل تلك الأحياء بوعي جماعي حذر حول الحقوق المدنية والأمان ومكافحة التمييز.
وعلى الرغم من هذه التحديات الهيكلية واللوجستية، تجمع التحليلات الرياضية في وسائل الإعلام الأمريكية على أن أحياء الجاليات منحت المونديال طابعاً عالمياً متكاملاً على الأراضي الأمريكية، متجاوزةً فكرة الاستضافة التقليدية؛ فقد تحولت المطاعم والساحات العامة في مراكز المدن الكبرى إلى كرنفالات تحتفي بالتعددية الثقافية، مما يعزز الفكرة القائلة بأن المونديال الحالي لا يعبر فقط عن منافسة رياضية بين دول، بل يمثل تجمعاً إنسانياً ضخماً تلعب فيه الجاليات المستقرة داخل الولايات المتحدة دور البطل الحقيقي في إشعال حماس المدارج والشوارع على حد سواء.