رغم المخاوف التي سبقت انطلاق كأس العالم 2026، بشأن ارتفاع أسعار التذاكر وتعقيدات الحصول على التأشيرات، فإن الملاعب الضخمة المستضيفة للبطولة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ظهرت ممتلئة إلى حد كبير، خلافاً للتوقعات التي رجحت وجود آلاف المقاعد الشاغرة.
وشكلت مباراة البوسنة والهرسك وسويسرا في ملعب صوفي بمدينة إنجلوود بولاية كاليفورنيا مثالاً واضحاً على ذلك، فرغم أن عدد سكان البلدين مجتمعين لا يتجاوز 12.6 مليون نسمة، ولا يمتلك أي منهما جالية كبيرة في لوس أنجلوس، كما أنهما لا يصنفان بين القوى التقليدية في كأس العالم ولا يضمان نجوماً عالميين بارزين، فقد حضر المباراة 70.026 متفرجاً من أصل 70.492 هي السعة الرسمية للملعب.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة إشغال الملاعب خلال مباريات دور المجموعات بلغت 99.4%. وحتى المباراة الأقل حضوراً جماهيرياً حتى الآن، بين السعودية وأوروغواي في ميامي، لم تشهد سوى 1714 مقعداً شاغراً.
ورغم التشكيك في بعض الإحصائيات الرسمية، باعتبارها تعتمد على عدد التذاكر الممسوحة إلكترونياً عند البوابات وليس عدد الجالسين فعلياً في المدرجات، فإن المشاهد المعتادة للمدرجات الخالية التي ظهرت خلال كأس العالم للأندية في الولايات المتحدة العام الماضي لم تتكرر في مونديال 2026.
ودافع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، مراراً عن سياسة أسعار التذاكر، مؤكداً أن كأس العالم يعامل في أمريكا الشمالية كحدث ترفيهي ضخم شأنه شأن البطولات الرياضية الكبرى الأخرى.
ورغم ارتفاع الأسعار بشكل لافت بعد قرعة البطولة في ديسمبر الماضي، فإن نظام التسعير الديناميكي ساهم في تعديل الأسعار وفقاً لحجم الطلب، وبينما ارتفعت أسعار بعض المباريات، شهدت أخرى انخفاضات ملحوظة مع اقتراب موعد انطلاقها.
ووفقاً لبيانات التذاكر، انخفضت أسعار نحو نصف مباريات دور المجموعات التي أقيمت حتى الآن خلال الأيام الثلاثة الأخيرة قبل انطلاقها، وعلى سبيل المثال، تراجعت أسعار تذاكر مباراة الأرجنتين والجزائر بنسبة 24%، بينما بلغ متوسط سعر حضور مباراة البوسنة والهرسك وسويسرا نحو 350 دولاراً، وهو مبلغ اعتبره كثير من المشجعين مقبولاً مقابل حضور كأس العالم.
وأسهم توسيع البطولة إلى 48 منتخباً في زيادة الحضور الجماهيري بشكل واضح، إذ شاركت منتخبات عدة بعد غياب طويل عن الحدث العالمي، وشهدت البطولة ظهور أربعة منتخبات للمرة الأولى، فيما عادت منتخبات مثل الكونغو الديمقراطية وهايتي والعراق، للمشاركة بعد غياب يقارب نصف قرن، بينما استعادت النرويج واسكتلندا والنمسا وجنوب أفريقيا حضورها بعد سنوات طويلة من الغياب.
وهذا الشوق للمشاركة مجدداً دفع آلاف المشجعين إلى السفر ومساندة منتخباتهم، مستغلين فرصة قد لا تتكرر قريباً، كما استفادت البطولة من الحضور الكثيف للجاليات المقيمة في أمريكا الشمالية، إضافة إلى جماهير الدول المضيفة، خصوصاً الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهي دول تتمتع بقوة شرائية مرتفعة ساعدت على تحمل تكاليف التذاكر والسفر.
والنجاح الجماهيري الكبير منح «فيفا» مؤشراً قوياً على إمكانية الاستمرار في نهج الأسعار الحالية، خصوصاً مع امتلاء الملاعب رغم الانتقادات الواسعة، وفي المقابل، اتخذ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) موقفاً مختلفاً، إذ جمد أسعار جزء كبير من تذاكر بطولة أمم أوروبا 2028 استجابة للمخاوف المتعلقة بارتفاع التكاليف على الجماهير.
ومع اقتراب كأس العالم 2030، التي ستقام بشكل رئيسي في إسبانيا والبرتغال والمغرب، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان نموذج الأسعار المرتفعة سيحافظ على النجاح نفسه، أم أن بعض المباريات الأقل جماهيرية ستواجه تحديات في ملء المدرجات.
وفي هذا السياق، لخص مدرب منتخب الولايات المتحدة، ماوريسيو بوتشيتينو، أهمية الحضور الجماهيري بقوله: «نحن بحاجة إلى الجماهير والمشجعين، وكرة القدم من دون جماهير أمر مستحيل»، وهي حقيقة أثبتتها مدرجات كأس العالم 2026 منذ أيامه الأولى.