خلافاً للتوقعات التي سبقت انطلاق كأس العالم 2026، والتي رجحت مشاهدة مهرجانات تهديفية وانتصارات واضحة للمنتخبات الكبرى، فرض التعادل نفسه بطلاً للمشهد في الأيام الأولى من البطولة، بعدما انتهت ثماني مباريات دون فائز، في مؤشر واضح على حجم التقارب الفني والتنافس الشرس بين المنتخبات المشاركة.
وشهدت الجولة الافتتاحية سلسلة من النتائج المتعادلة، كان أبرزها تعادل اليابان مع هولندا، وسويسرا مع قطر، وإسبانيا والرأس والأخضر والسعودية مع الأورغواي ومصر مع بلجيكا إضافة إلى التعادل المثير بين إيران ونيوزيلندا بنتيجة 2-2، والمغرب مع البرازيل وقطر ضد سويسرا، كما أن البطولة الحالية سجلت يوماً تاريخياً شهد أربع مباريات متتالية تنتهي بالتعادل، وهو أمر لم يحدث في كأس العالم منذ عام 1958.
هذا الحضور اللافت لنتيجة التعادل لم يكن مجرد صدفة، بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل الفنية والتكتيكية. فالمنتخبات تدخل مبارياتها الأولى بحذر شديد، مدركة أن الخسارة المبكرة قد تعقد طريقها نحو التأهل، خصوصاً في النسخة الحالية التي تضم 48 منتخباً وتمنح أهمية كبيرة لكل نقطة في سباق التأهل إلى الأدوار الإقصائية.
كما أظهرت المباريات تقلص الفوارق التقليدية بين المنتخبات الكبرى ونظيراتها الأقل شهرة. فالمنتخبات الصاعدة باتت تمتلك لاعبين محترفين في أقوى الدوريات العالمية، إضافة إلى تطور كبير في الجوانب البدنية والتنظيمية، ما جعل مهمة المنتخبات المرشحة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
ومن الملاحظ أيضاً أن العديد من المنتخبات اعتمدت على الانضباط الدفاعي وإغلاق المساحات، الأمر الذي حد من الفرص السهلة أمام المهاجمين، وأجبر فرقاً مرشحة لتحقيق الفوز على الاكتفاء بنقطة واحدة. ولم تعد الأسماء الكبيرة وحدها كافية لحسم المباريات في ظل التطور التكتيكي الذي تشهده كرة القدم الحديثة.
ويرى مراقبون أن كثرة التعادلات لا تعكس ضعفاً هجومياً بقدر ما تؤكد ارتفاع مستوى التنافسية في البطولة، إذ أصبحت المباريات أكثر تعقيداً وحساسية، وأي خطأ صغير قادر على تغيير مصير اللقاء، ما يدفع المدربين إلى تبني نهج أكثر تحفظاً في البداية.
ومع اقتراب الجولتين الثانية والثالثة من دور المجموعات، ينتظر عشاق الكرة تحولاً في المشهد، حيث ستصبح المنتخبات مطالبة بالفوز لتعزيز فرصها في العبور، وهو ما قد يفتح المباريات على مزيد من الجرأة الهجومية ويقلل من احتمالات التعادل التي سيطرت على الانطلاقة.
وإذا كانت الأهداف هي زينة كرة القدم، فإن التعادلات حتى الآن أصبحت السمة الأبرز لمونديال 2026، في بطولة تؤكد يوماً بعد آخر أن طريق التأهل واللقب سيكون مليئاً بالعقبات، وأن الفوارق بين المنتخبات لم تعد كما كانت في الماضي.