حادثة السرقة التي تعرضت لها بعثة منتخب إنجلترا المشارك في المونديال بمقر إقامتها بمدينة كانساس سيتي، واختفاء أحذية بعض النجوم والكرات الرسمية وأدوات التحليل التكتيكي، تعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً ومثيراً من الحوادث في تاريخ دورات كأس العالم، منذ انطلاقتها سنة 1930، لذلك لم تعد كلمة «سرقة» مقتصرة على التعبير المجازي حين يقصد بها «سرقة الفوز» أو «سرقة المباراة»، بل وجدت تعبيرات حقيقية من خلال قائمة طويلة من الحوادث.

أشهر سرقات كأس العالم ضحيتها الكأس نفسها، حيث سرقت بالفعل قبل انطلاق مونديال 1966 في إنجلترا، وكانت واحدة من أكبر الفضائح الرياضية في القرن العشرين، رغم العثور عليها لاحقاً.

وإذا كانت تلك السرقة انتهت نهاية سعيدة، فإن الكأس نفسها لم تكن محظوظة في المرة الثانية، فبعد أن احتفظت البرازيل بالكأس نهائياً إثر فوزها الثالث بالمونديال عام 1970، تعرضت الكأس لسرقة جديدة من مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم عام 1983، ولم ينجح المحققون في استعادتها. ومع مرور السنوات ترسخت فرضية أن اللصوص قاموا بإذابتها وبيع الذهب المصنوع منها، لتبقى القطعة الأشهر والأغلى في تاريخ كرة القدم مفقودة حتى اليوم.

ولم يكن التحسّب من السرقة مرتبطاً دائماً باللصوص التقليديين، فخلال الحرب العالمية الثانية، وبينما كانت أوروبا تغرق في أتون القتال، خشي المسؤولون الإيطاليون من وقوع كأس العالم في أيدي القوات النازية، ولذلك تم إخفاؤها داخل صندوق أحذية تحت سرير أحد المسؤولين الإيطاليين لسنوات عدة.

لكن ثمة في جعبة دورات المونديال تاريخياً الكثير من وقائع السرقات والاختفاء الغامض للأدوات والجوائز، وحتى الكؤوس نفسها.. نعرض في هذا التقرير أبرزها:

الأوروغواي 1930

في نهائي أول مونديال في التاريخ، الذي جمع الأوروغواي والأرجنتين، حدثت أزمة غريبة بسبب «الكرة الرسمية». لم تكن هناك كرة موحدة من «الفيفا»، ورفض كلا المنتخبين اللعب بكرة الآخر، ووصل الأمر إلى حد اتهام الطرفين بإخفاء و«سرقة» كرات التدريب الخاصة بهما من الملعب قبل المباراة.

تدخل «الفيفا» وحسم الأمر بالقرعة، حيث لُعب الشوط الأول بكرة أرجنتينية (وتقدمت الأرجنتين 2-1)، ولُعب الشوط الثاني بكرة الأوروغواي التي قلبت النتيجة وفازت 4-2.

وفي الدورة نفسها، تعرض المنتخب الفرنسي لموقف محرج قبل مباراته ضد تشيلي، حيث توجه مسؤولو البعثة الفرنسية إلى غرف الملابس، ليفاجأوا باختفاء مجموعة كبيرة من قمصان اللعب الرسمية الزرقاء، ولم يتبقَّ ما يكفي لكل عناصر الفريق.

واضطر الطاقم الإداري الفرنسي للنزول العاجل إلى أسواق العاصمة «مونتيفيديو» وشراء قمصان بيضاء عادية من المتاجر المحلية، وقاموا بخياطة شعار الديك الفرنسي عليها على عجل قبل الدخول إلى أرض الملعب.

البرازيل 1950

في مونديال 1950، وقبل مواجهة في المربع الذهبي بين البرازيل (صاحبة الأرض) والسويد، تعرضت بعثة السويد لسرقة غريبة في مقر إقامتها، حيث اختفت أطقم الملابس الرياضية وأحذية التدريب الخاصة باللاعبين.

ألمحت الصحافة السويدية حينها إلى أن «اللصوص» كانوا من مشجعي البرازيل المتعصبين، في محاولة لتعطيل تدريبات السويد وإرباكهم نفسياً وجسدياً قبل المباراة، وفازت البرازيل في تلك المباراة 7-1.

تشيلي 1962

قبل مواجهة أوروغواي في دور المجموعات، تعرض مدرب منتخب الأرجنتين حينها خوان كارلوس لورنزو، لسرقة حقيبته اليدوية من بهو الفندق، وكانت تحتوي على مستندات تحليلية وجداول تكتيكية سرية أعدها على مدار أشهر. واتهم المدرب الأرجنتيني أطرافاً تابعة للمنتخبات المنافسة بالتجسس وسرقة أوراقه لإحباط خططه، واضطر لإعادة كتابة تكتيك المباراة بالكامل من ذاكرته في ليلة المباراة.

إنجلترا 1966

ثمة مفارقة تاريخية، ففي حين تعرّض الإنجليز في دورة كأس العالم الحالية لسرقة أحذيتهم، فإنهم في 1966، أي قبل 60 عاماً بالتمام والكمال، فقدوا «النسخة الأصلية» من الكأس نفسها (كأس غول ريميه).

فقبل أشهر قليلة من انطلاق البطولة، عُرضت الكأس في قاعة ميثوديست المركزية في لندن رغم الحراسة المشددة، لكن السارق تمكن من التسلل عبر الأبواب الخلفية وسرقة الكأس.

وبعد حالة استنفار قصوى من «سكوتلاند يارد»، لم يعثر على الكأس ضابط شرطة، بل كلب يدعى «بيكلز» كان يتنزه مع صاحبه في جنوب لندن، وعثر على الكأس ملفوفة بورق صحف قديم تحت شجيرة حديقة. وأصبح الكلب «بيكلز» بطلاً قومياً، ونال مكافأة مالية وحضر حفل عشاء المنتخب الإنجليزي بعد فوزه باللقب.

المكسيك 1970

قبل المباراة النهائية التاريخية بين البرازيل وإيطاليا، تعرض مقر إقامة المنتخب البرازيلي للاقتحام. والمثير في الأمر أن السارق لم يستهدف المال، بل سرق الأحذية الخاصة بالنجمين بيليه وريفيلينو. وواجه مسؤولو البعثة البرازيلية أزمة لوجستية كبيرة لتأمين أحذية بديلة مطابقة للمواصفات قبل النهائي، وهو ما نجحوا فيه، وتوجت البرازيل بالكأس الرابعة الشهيرة.

إسبانيا 1982

في ذلك المونديال، حدثت واقعة صنفت «سرقة تجسسية وطريفة»، إذ تعرض المدرب الأرجنتيني الخبير كارلوس بيلاردو (الذي قاد الأرجنتين لاحقاً للقب 1986) لسرقة حقيبته الشخصية من غرفته بالفندق، وكانت الحقيبة تضم مفكرته السرية التي تحتوي على الخطط التكتيكية وتحليلات بالفيديو للاعبي المنتخبات الأخرى. وصرح بيلاردو حينها متهكماً: «السارق لم يكن يبحث عن المال، بل كان مدرباً لمنتخب منافس يريد معرفة كيف سنلعب».

جنوب أفريقيا 2010

في ذلك المونديال، تعرض فندق إقامة المنتخب الإيطالي (بطل العالم آنذاك) لعملية سرقة غريبة ومحرجة، حين اقتحم اللصوص غرف عدد من لاعبي وإداريي «الأتزوري».

ولم تقتصر السرقات على الأموال الشخصية والبطاقات الائتمانية، بل سرق اللصوص ملابس رسمية للمنتخب، وميداليات تذكارية، بل وحتى هدايا عينية وكؤوساً مصغرة كان الاتحاد الإيطالي ينوي تقديمها دروعاً تذكارية. وتبين لاحقاً أن بعض عمال الفندق استغلوا فترات التدريب للقيام بتلك السرقة.

البرازيل 2014

قبل مباراة المنتخب الياباني أمام ساحل العاج في مونديال البرازيل 2014، تعرضت الشاحنة اللوجستية التي تنقل المعدات الخاصة باليابان للسرقة في مدينة ريسيفي.

وكان أغرب ما في الحادثة أن اللصوص ركزوا على سرقة قمصان اللعب الرسمية للمنتخب الياباني بكميات كبيرة، إضافة إلى كرات التدريب. واضطر الطاقم الإداري الياباني إلى الاستعانة بـ«شحنة طوارئ» جوية أرسلتها الشركة الراعية من اليابان لتعويض النقص قبل انطلاق صافرة المباراة.

وهكذا يبدو المونديال أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم، إنه مسرح عالمي تتجاور فوقه المنافسة الرياضية مع المصادفات العجيبة والقصص والمفارقات والسرقات، بحيث لا تقتصر الإثارة على ما يجري داخل المستطيل الأخضر، بل تمتد أحياناً إلى ما يختفي خارجه.