لم تكن الكرة التي أرسلها أيمن حسين إلى شباك بوليفيا مجرد هدف عابر في مباراة كرة قدم، بل كانت لحظة تاريخية اختزلت سنوات طويلة من الانتظار، وأعلنت نهاية أربعة عقود من غياب العراق عن نهائيات كأس العالم. وبينما احتفل الملايين بهذا الإنجاز، كان المهاجم العراقي يستحضر رحلة استثنائية بدأت بالألم والفقد، وانتهت بكتابة اسمه في سجل الأبطال الذين أعادوا الأمل إلى جماهير «أسود الرافدين».



ولد أيمن حسين عام 1996 في قرية الصفرا التابعة لقضاء الحويجة شمالي العراق، وسط أسرة بسيطة تعتمد على الزراعة وتربية الأغنام. ومنذ سنواته الأولى، واجه ظروفاً قاسية غيّرت مسار حياته، بعدما فقد والده عام 2008 إثر هجوم مسلح أثناء عمله على بناء منزل جديد للعائلة.



ولم تتوقف المآسي عند هذا الحد، إذ اختفى شقيقه الأكبر بعد التحاقه بالجيش العراقي، عقب اختطافه خلال سنوات الاضطرابات الأمنية، ومنذ ذلك الوقت لم تتلقَ العائلة أي معلومات عن مصيره. وأمام هذه الضربات المتتالية، وجد أيمن نفسه أمام مسؤوليات كبيرة دفعت به إلى التفكير في التخلي عن حلم كرة القدم من أجل مساندة أسرته.



لكن والدته لعبت الدور الأهم في مسيرته، حين رفضت فكرة استسلامه للظروف، وأصرّت على مواصلة مشواره الرياضي، مؤكدة له أن النجاح في كرة القدم سيكون أفضل تكريم لذكرى والده وتحقيقاً للحلم الذي طالما سعى إليه.



ومنذ ذلك الحين، تحوّل أيمن إلى نموذج للإصرار والتحدي. فكل إنجاز حققه كان يحمل في داخله ذكرى والده وشقيقه الغائب، اللذين تمنى دائماً أن يشاركا معه لحظات الفرح التي عاشها بقميص المنتخب العراقي.



وكانت بصماته حاضرة في أهم المحطات الكروية للعراق خلال العقد الأخير. ففي عام 2016 سجل هدفاً تاريخياً في الوقت الإضافي أمام قطر قاد منتخب بلاده إلى التأهل لأولمبياد ريو دي جانيرو. كما تألق في بطولة كأس الخليج العربي «خليجي 25» عام 2023، حين توج هدافاً للبطولة وقاد العراق إلى إحراز اللقب وسط احتفالات جماهيرية غير مسبوقة.



وواصل المهاجم العراقي كتابة فصول نجاحه عندما سجل هدفاً حاسماً أمام إندونيسيا، أسهم في تأهل المنتخب الأولمبي إلى دورة الألعاب الأولمبية في باريس 2024، مؤكداً مكانته كأحد أبرز نجوم الكرة العراقية في السنوات الأخيرة.



وجاءت اللحظة الأهم في مسيرته عندما حمل على عاتقه آمال ملايين العراقيين في مشوار التأهل إلى كأس العالم 2026. فبهدفه الحاسم في مرمى بوليفيا، لم يمنح منتخب بلاده انتصاراً مهماً فحسب، بل أعاد العراق إلى المسرح العالمي بعد انتظار دام 40 عاماً، ليصبح رمزاً لجيل آمن بالحلم حتى النهاية.



هكذا تحولت قصة أيمن حسين من حكاية شاب واجه الفقد والمآسي إلى قصة بطل وطني ألهم شعباً بأكمله، وأثبت أن الإرادة قادرة على الانتصار على أقسى الظروف، وأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تولد أحياناً من بين الركام.