ملايين المشجعين، ومئات الآلاف من عناصر الأمن، وأكبر بطولة في تاريخ كرة القدم، لكن ما يقلق واشنطن ليس ما سيجري داخل الملاعب، بل ما قد يحدث خارجها.

مع انطلاق أولى مباريات كأس العالم 2026، اليوم في المكسيك، لا تقتصر استعدادات الولايات المتحدة على استقبال الجماهير وتنظيم المباريات، بل تمتد إلى واحدة من أكبر العمليات الأمنية في تاريخها الحديث. والتحدي الأبرز ليس شبكات إرهابية منظمة يسهل تتبعها، بل ما يعرفه المسؤولون بـ«الذئاب المنفردة»؛ أفراد يتحركون باستقلالية تامة، بلا ارتباط تنظيمي، وبلا إشارات تكشفهم مسبقاً.

وزير الأمن الداخلي الأمريكي ماركواين مولين لم يخفِ حجم المهمة حين وصف البطولة بأنها «78 مباراة سوبر بول في 38 يوماً في 11 مدينة».

وإذا كانت مباراة السوبر بول الواحدة تستنفر أجهزة الأمن الأمريكية بالكامل، فإن الأرقام وحدها تكفي لاستيعاب حجم ما تواجهه واشنطن. وقد أقرّ المسؤولون الأمنيون صراحة بأنه «لا توجد تهديدات محددة وذات مصداقية حتى الآن، غير أن المخاطر قائمة دائماً».

المشكلة ليست في الملاعب، فالمنشآت الرياضية المغلقة تخضع لتفتيش دقيق ورقابة إلكترونية مشددة، وهي بطبيعتها أكثر قابلية للضبط الأمني، القلق الحقيقي يتركز على ما يسميه المختصون «المناطق الرخوة»؛ المساحات المفتوحة حول الملاعب، محطات النقل، مناطق تجمع المشجعين، والأماكن السياحية التي يصعب تأمينها بالكامل مهما بلغ عدد العناصر المنتشرة.

وقد كشفت تجربة «يورو 2024» في ألمانيا عن حجم هذا التحدي، حين استقبلت مناطق المشجعين اثني عشر مليون زائر وصُنفت بيئات عالية الخطورة.

الولايات المتحدة تستضيف 78 مباراة من أصل 104 مباريات تقام على مدار 39 يوماً، ما يعني أن ملايين المشجعين (تتراوح التوقعات بين خمسة وسبعة ملايين) سيتنقلون بين المدن الأمريكية طوال أكثر من شهر. هذا الحشد البشري الهائل المتحرك بين عشرات المدن هو ما يجعل مهمة الأجهزة الأمنية بالغة التعقيد.

ما يقلق واشنطن أكثر من أي شيء آخر هو أن الهجمات الفردية، سواء ذات الدوافع السياسية أو الأيديولوجية أو المرتبطة بحالات التطرف الذاتي، لا تكاد لا تُخلّف مؤشرات مسبقة يمكن الاستناد إليها، فمنفذها لا ينتمي لشبكة يمكن اختراقها، ولا يتواصل مع جهة يمكن رصدها، وكثيراً ما يتحرك باستقلالية تجعل إحباط عمله شبه مستحيل حتى اللحظة الأخيرة.

واشنطن تراهن على خبرتها المتراكمة وعلى منظومتها الأمنية والاستخباراتية، لكن النجاح الحقيقي لن يقاس فقط بغياب الحوادث، بل بقدرة الأجهزة على الحفاظ على انسيابية البطولة وإشعار ملايين الزوار بالأمان، دون أن يتحول أكبر حدث رياضي في التاريخ إلى ساحة تغلب عليها صورة الاستنفار الأمني على حساب الاحتفال.

وبينما تتجه أنظار العالم إلى ما سيجري داخل الملاعب، تتركز أنظار الأجهزة الأمنية الأمريكية على ما يحدث خارجها، حيث يبقى هاجس «الذئاب المنفردة» أحد أكثر التحديات تعقيداً في النسخة الأكبر من كأس العالم.