عندما تنطلق صافرة مونديال 2026 مساء اليوم الخميس 11 يونيو، لن تتنافس 48 دولة على لقب كروي فحسب، بل ستلتقي داخل البطولة اقتصادات تمتد من أكبر قوة اقتصادية في العالم إلى دول لا يتجاوز ناتجها المحلي بضعة مليارات من الدولارات.
وعلى مدار 39 يومًا، ستجتمع تحت راية كأس العالم دول تمثل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي العالمي، في واحدة من أكثر مفارقات الرياضة إثارة حيث لا تمنح التريليونات أهدافًا إضافية.
وتعكس الدول المستضيفة حجم هذه المفارقة بوضوح، فالولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، تستضيف البطولة إلى جانب كندا والمكسيك. ووفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية لعام 2025، يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 30 تريليون دولار، مساهماً بنحو 26% من الاقتصاد العالنمي، بينما يتجاوز اقتصاد كندا حاجز 2.3 تريليون دولار، وتقترب المكسيك من تريليوني دولار.
وبذلك تستضيف البطولة واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية في العالم بقيمة تقارب 35 تريليون دولار وبحصة عالمية تبلغ 30% من الاقتصاد العالمي وتضم الدول المضيفة للبطولة بعض أهم المراكز المالية والصناعية والتكنولوجية العالمية، من نيويورك وتورونتو إلى مكسيكو سيتي.
أكبر اقتصادات مشاركة
وتضم البطولة عددًا من أكبر اقتصادات العالم، تتقدمها الولايات المتحدة، ثم اليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة التي تمثلها إنجلترا، إضافة إلى كندا وكوريا الجنوبية وأستراليا والمكسيك وإندونيسيا.
لكن الصورة لا تكتمل بالنظر إلى المشاركين فقط، فبينما تتواجد بعض أكبر اقتصادات العالم في مونديال 2026، تغيب اقتصادات عملاقة أخرى عن الحدث الكروي الأكبر، في تذكير جديد بأن حجم الاقتصاد لا يضمن حتى مقعدًا في كأس العالم.
التريليونات الغائبة
تأتي الصين في مقدمة الغائبين. فثاني أكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي يتجاوز 19 تريليون دولار، أخفق في عبور التصفيات الآسيوية ليواصل غيابه عن البطولة منذ مشاركته الوحيدة عام 2002.
كما تغيب الهند، خامس أكبر اقتصاد عالميًا، بناتج محلي يناهز 4.3 تريليون دولار، في وقت لا تزال فيه كرة القدم بعيدة عن منافسة شعبية الكريكيت داخل البلاد.
أما روسيا، التي يقترب ناتجها المحلي من 2.2 تريليون دولار، فتغيب لأسباب مختلفة، إذ لا تزال منتخباتها وأنديتها مستبعدة من مسابقات الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم منذ عام 2022.
وتؤكد هذه الأمثلة أن الطريق إلى كأس العالم لا يمر عبر أسواق المال أو حجم الاقتصاد، بل عبر التصفيات والنتائج داخل المستطيل الأخض، وان الحلم قد يهزم الأرقام وهنا تكمن خصوصية كأس العالم.
في الاقتصاد العالمي قد تفصل بين بعض المنتخبات المشاركة فجوات تصل إلى عشرات التريليونات من الدولارات، لكن هذه الفوارق تتلاشى بمجرد انطلاق المباراة.
فعلى سبيل المثال، يقترب الناتج المحلي للمغرب من 160 مليار دولار، بينما لا يتجاوز اقتصاد الرأس الأخضر بضعة مليارات من الدولارات، ويقدر اقتصاد هايتي بنحو 20 مليار دولار فقط. ومع ذلك، وجدت هذه المنتخبات طريقها إلى أكبر بطولة كروية في العالم، في حين غابت اقتصادات تفوقها عشرات أو مئات المرات حجمًا.
وتاريخ المونديال مليء بأمثلة مشابهة، فالأوروغواي، التي لا يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة، أحرزت كأس العالم مرتين. وكرواتيا بلغت نهائي مونديال 2018 رغم أن عدد سكانها يقل عن كثير من المدن الكبرى حول العالم. أما المغرب فكتب التاريخ في قطر 2022 عندما أصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف النهائي.
وفي المقابل، لم تنجح قوى اقتصادية كبرى دائمًا في ترجمة ثقلها المالي إلى نجاح مماثل داخل الملعب، ولهذا تبدو كأس العالم مختلفة عن معظم المجالات الأخرى في الحياة الحديثة، الاقتصاد يقيس حجم الدول وقدرتها الإنتاجية ونفوذها العالمي، لكن كرة القدم تقيس شيئًا آخر؛ القدرة على الحلم والمنافسة واستغلال اللحظة، وربما لهذا السبب تحافظ البطولة على سحرها بعد ما يقرب من قرن من انطلاقها. ففي عالم تتسع فيه الفجوات الاقتصادية بين الدول، تبقى كأس العالم واحدة من المساحات القليلة التي تمنح الجميع نقطة بداية متساوية.
ومن نيويورك، إحدى عواصم المال العالمية، إلى منتخبات جاءت من دول صغيرة ومتوسطة وكبرى، يؤكد المونديال على أن الاقتصاد تحكمه الأرقام، أما في كرة القدم، فلا شيء يُحسم قبل صافرة النهاية.