في الحادية عشرة من سماء اليوم الخميس 11 يونيو، سيبدأ العالم رحلة جديدة مع كأس العالم. ستتجه أنظار مليارات البشر نحو الملاعب الممتدة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وستبدأ المنتخبات الـ48 مطاردة الحلم ذاته الذي يرافق كل جيل من اللاعبين منذ ما يقارب القرن: الوصول إلى المباراة الأخيرة ورفع الكأس الذهبية.

والقصة تتركز حول عشرات المنتخبات التي تبدأ المشوار، لكنها تعرف أن النهاية لا تتسع إلا لبطل واحد. منتخب واحد فقط سيقف في 19 يوليو 2026 على المنصة، وسيحمل الكأس أمام عدسات العالم، بينما يغادر لآخرون بخيبات متفاوتة الأحجام.

لكن تاريخ كأس العالم يخبرنا بأن البطولة لم تكن يومًا مجرد مسابقة لاختيار بطل، فبين صفحات المونديال توجد قصص بقيت حية في الذاكرة رغم أنها لم تنته برفع الكأس. هناك منتخبات خلدها التاريخ بسبب رحلة استثنائية، ودول تحولت مشاركتها إلى انتصار، وشعوب وجدت في البطولة فرصة لإثبات قدرتها على تجاوز ظروف بدت أكبر من أحلامها.

ولهذا، قبل أن تبدأ أكبر نسخة لكأس العالم  في التاريخ، وقبل أن تنطلق المنافسة نحو اللقب الجديد، يبرز السؤال: هل الفوز في كأس العالم يقتصر على المنتخب الذي يرفع الكأس؟ أم أن هناك انتصارات أخرى لا تظهر في جدول الترتيب ولا تُنقش على المعدن الذهبي؟

وبالعودة لما قبل ستة عقود، إلى بلد لم يكن يحلم بالفوز بالبطولة بقدر ما كان يحاول إثبات أنه قادر على تنظيمها أصلاً بعد تعرضها لأكبر زلزال مسجل في التاريخ بمستوى 9.5 درجة في عام 1960 لتولد واحدة من أعظم قصص الإرادة في تاريخ كأس العالم.

 وبين أصوات الشك والتشاؤم التي كانت تتزايد يومًا بعد آخر، ظهر رجل آمن بأن الأزمات لا تُقاس بحجم الدمار الذي تتركه، بل بحجم الإرادة التي تليها. كان ذلك الرجل هو كارلوس ديتبورن، رئيس اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم من 1955-1962، الذي وقف أمام عالم يعتقد أن تشيلي فقدت قدرتها على استضافة الحدث، وقال عبارته التي ستبقى خالدة في تاريخ كرة القدم:

"لأننا لا نملك شيئًا، فعلينا أن نفعل كل شيء".

لم تكن مجرد جملة ملهمة أو شعارًا إعلاميًا صُمم لجذب التعاطف. كانت وصفًا دقيقًا للحقيقة كما هي. فبعد الزلزال لم يكن لدى تشيلي فائض من المال أو الوقت أو الإمكانات، لكنها امتلكت شيئًا أكثر أهمية: الإيمان بأن الاستسلام ليس خيارًا.

من تلك اللحظة بدأ سباق مع الزمن. أعيدت مراجعة الخطط من الصفر، وأُعيد توجيه الموارد المحدودة نحو ما يمكن إنجازه فعليًا. لم تكن البلاد تسعى إلى تنظيم النسخة الأكثر فخامة في تاريخ البطولة، بل كانت تحاول إثبات قدرتها على الوقوف مجددًا. كان الهدف أن يرى العالم أن الكوارث قد تدمر المباني والطرق، لكنها لا تستطيع أن تدمر إرادة الشعوب.

ومع مرور الأشهر، تحول ما بدا مستحيلًا إلى واقع. وفي الثلاثين من مايو 1962 انطلقت نهائيات كأس العالم في تشيلي كما كان مخططًا لها. لم يكن افتتاح البطولة مجرد بداية لمباريات كرة قدم، بل كان إعلانًا عالميًا عن انتصار الإرادة البشرية على الظروف القاسية، وكان ذلك الانتصار الأول.

أما الانتصار الثاني في تلك النسخة فجاء داخل المستطيل الأخضر، حيث حقق المنتخب التشيلي أفضل إنجاز في تاريخه ببلوغه المركز الثالث بين كبار العالم، بينما واصلت البرازيل هيمنتها الكروية وتُوجت باللقب العالمي للمرة الثانية على التوالي بعد انتصارها على تشيكوسلوفاكيا في المباراة النهائية.

رسميًا، كانت البرازيل هي بطلة العالم في مونديال 1992 في تشيلي، وهذا ما حفظته السجلات والإحصاءات. لكن ذاكرة كرة القدم احتفظت بقصة أخرى موازية؛ قصة بلد رفض أن يتحول إلى ضحية لظروفه، واختار أن يكتب روايته الخاصة رغم كل ما حدث له. ولهذا السبب ظل مونديال 1962 حاضرًا في الذاكرة ليس فقط بسبب هوية البطل، بل بسبب معنى البطولة نفسها.

اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يبدو العالم مختلفًا تمامًا. تغيرت كرة القدم، وتغيرت التكنولوجيا، وتوسعت البطولة حتى أصبحت حدثًا عالميًا يتجاوز حدود الرياضة إلى الاقتصاد والثقافة والسياسة وصناعة الترفيه. ومع ذلك، فإن جوهر كأس العالم لم يتغير كثيرًا.

الليلة، ستنطلق النسخة الأكبر في تاريخ البطولة. للمرة الأولى سيشارك 48 منتخبًا، وللمرة الأولى ستقام المنافسات عبر ثلاث دول مضيفة تمتد على مساحة جغرافية هائلةـ وستتحول الملاعب من مكسيكو سيتي إلى نيويورك، ومن تورونتو إلى لوس أنجلوس، إلى مسرح لأحلام ملايين البشر الذين ينتظرون لحظة واحدة قد تغير تاريخهم.

لكن خلف الأرقام الضخمة والتنظيم غير المسبوق، تبقى الحقيقة ذاتها: كل منتخب يصل إلى كأس العالم يحمل معه قصة مختلفة.

الأرجنتين تأتي للدفاع عن مجد صنعته في قطر 2022،  والبرازيل تطارد النجمة السادسة التي انتظرتها طويلًا، وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا تبحث عن صفحة جديدة في سجلها التاريخي، والمغرب يسعى لإثبات أن ما حققه في 2022 لم يكن استثناءً عابرًا، بل بداية مرحلة جديدة لكرة القدم العربية والأفريقية. اليابان وكوريا الجنوبية تواصل ترسيخ حضورها بين كبار اللعبة.

وفي مكان آخر من الحلم، تصل منتخبات تحمل أهدافًا مختلفة تمامًا، فالعراق يعود بعد سنوات طويلة من الغياب، والأردن وأوزبكستان  والراس الأخضر وكوراساو يكتبون الفصل الأول من مغامرتهم المونديالية، وأما كندا والمكسيك والولايات المتحدة فتستضيف البطولة أمام جماهيرها رغم أن أياً منها لم يسبق له رفع الكأس الذهبية.

لكل منتخب روايته الخاصة، ولكل دولة تعريفها المختلف للنجاح، وهنا تكمن خصوصية كأس العالم. فليست كل الانتصارات متشابهة، وليست كل الأحلام بحجم الكأس نفسها. بالنسبة لبعض المنتخبات، يكون النجاح في الفوز باللقب. وبالنسبة لأخرى، قد يكون النجاح في بلوغ الدور الثاني لأول مرة، أو تحقيق أول انتصار في تاريخها، أو مجرد إثبات أنها تنتمي إلى هذا المستوى من المنافسة.

مفارقة 2026

ومن المفارقات أن تشيلي، صاحبة إحدى أعظم قصص الإرادة في تاريخ البطولة، لن تكون بين المنتخبات المشاركة في مونديال 2026. لن يظهر اسمها في القرعة، ولن يُعزف نشيدها الوطني في الملاعب، وسيستمر غيابها عن كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، لكن الغياب هنا يبدو شكليًا أكثر منه حقيقيًا.

فبعض المنتخبات تحضر داخل المستطيل الأخضر، بينما تحضر أخرى في ذاكرة اللعبة نفسها. وتشيلي واحدة من تلك الدول التي تجاوزت قصتها حدود النتائج والألقاب، لتصبح جزءًا من المعنى الأوسع الذي تمثله كأس العالم.

وربما لهذا السبب لا تزال عبارة ديتبورن تتردد حتى اليوم، لأنها لم تكن تخص تشيلي وحدها، وإنما تخص كل من وجد نفسه أمام ظروف أكبر من إمكاناته، وكل من قيل له إن النجاح مستحيل، وكل من اختار المحاولة حين بدا الفشل النتيجة الأكثر منطقية.

وعندما تُرفع الكأس الذهبية 19 يوليو 2026، سيعرف العالم اسم البطل الجديد. ستنتشر الصور في كل مكان، وستُكتب الإحصاءات، وسيُضاف اسم آخر إلى قائمة الأبطال الخالدين، لكن السؤال الذي رافق البطولة منذ بداياتها سيبقى حاضرًا:

هل ستكون تلك هي القصة الكاملة؟ أم أن كأس العالم، كما فعلت في تشيلي عام 1962، ستمنحنا أبطالًا آخرين لا تظهر أسماؤهم على الكأس؟

وهل سنرى منتخبًا ينتصر على تاريخه؟ أو دولة تتجاوز حدود إمكاناتها؟ أو جيلًا يحول حلمًا قديمًا إلى حقيقة طال انتظارها؟

وهل توجد في كرة القدم، إلى جانب الكأس الذهبية، كؤوس أخرى لا تُصنع من المعدن ولا تُرفع على المنصات؟

ولأن كاس العالم تجربة إنسانية عالمية فإن هناك كؤوس يكتبها التاريخ وفي صدراتها كأس للإرادة، وكأس للتحدي، وكأس لمن واصل الطريق عندما كان يبدو مستحيلًا، ومع أن لوائح الفيفا تمنح كأسًا واحدة فقط للفائز بالبطولة، لكن التاريخ، في كثير من الأحيان، يختار أكثر من بطل.