المباراة الافتتاحية لكأس العالم 2026 ليست مجرد مواجهة بين منتخبين يسعيان إلى حصد أول ثلاث نقاط في البطولة، بل ستكون بداية قصة جديدة في تاريخ المونديال، وافتتاحاً لرحلة تمتد عبر 104 مباريات و48 منتخباً وثلاث دول مضيفة.
وعندما يدخل منتخبا المكسيك وجنوب أفريقيا أرضية ملعب أزتيكا في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي مساء اليوم 11 يونيو، سيبدأ أكبر مونديال عرفته كرة القدم منذ انطلاق البطولة عام 1930.
لكن خلف صافرة البداية تختبئ حكايات أعمق من مجرد مباراة. فالمكسيك تحمل الرقم 3، وهو رقم لا يشير إلى ترتيب أو لقب، بل إلى حدث تاريخي غير مسبوق. فهذه هي المرة الثالثة التي تستضيف فيها كأس العالم بعد نسختي 1970 و1986، لتصبح أول دولة في تاريخ البطولة تستضيف المونديال ثلاث مرات.
وبين نسختي بيليه ومارادونا، تحلم المكسيك بأن تضيف فصلاً جديداً إلى ذاكرتها الكروية، وأن يتحول عامل الأرض والجمهور إلى إنجاز رياضي طال انتظاره.
أما جنوب أفريقيا فتحمل الرقم 2010، العام الذي دخلت فيه التاريخ كأول دولة أفريقية تستضيف كأس العالم. لم يكن ذلك الحدث مجرد بطولة كرة قدم، بل كان إعلاناً رمزياً بأن القارة السمراء قادرة على تنظيم أكبر حدث رياضي عالمي. ومنذ ذلك الصيف الذي صدحت فيه أصوات المشجعون عبر "الفوفوزيلا" في ملاعب جوهانسبرغ وكيب تاون ودوربان، بقي مونديال 2010 جزءاً من الذاكرة الجماعية لكرة القدم الحديثة.
و"الفوفوزيلا" هي بوق بلاستيكي طويل اشتهر عالمياً خلال كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا، وأصبح أحد أبرز رموز تلك البطولة، حيث كان المشجعون ينفخون فيه طوال المباريات، فيصدر صوتاً مرتفعاً ومستمراً يشبه أزيز النحل أو هدير سرب من الحشرات. وقد أثار جدلاً واسعاً آنذاك، إذ اعتبره البعض جزءاً أصيلاً من الثقافة الكروية الجنوب أفريقية، بينما اشتكى آخرون من أنه يعيق سماع الهتافات والتعليق التلفزيوني وحتى تواصل اللاعبين داخل الملعب.
لكن رغم الجدل، أصبحت الفوفوزيلا رمزاً لمونديال 2010، كما ارتبطت المكسيك بألوان "الأزتيكا"، والبرازيل بالسامبا، والأرجنتين بالتانغو.
وإذا كانت الفوفوزيلا هي الصوت الذي يختصر مونديال جنوب أفريقيا 2010، فإن أزتيكا هو المكان الذي يختصر ذاكرة المكسيك مع كأس العالم. هناك مرّ بيليه ومارادونا، وهناك تبدأ حكاية مونديال 2026، بين حلم الأرض وحلم القارة.
وبين رقمي 3 و2010 تختبئ فكرتان مختلفتان، فالمكسيك تمثل خبرة الاستضافة وذاكرة البطولة، بينما تمثل جنوب أفريقيا لحظة كسر الحدود التقليدية للمونديال ونقله إلى فضاء جديد، ولذا فإن المباراة الافتتاحية تشكل حواراً بين تجربتين أكثر منها مجرد منافسة رياضية.
وتزداد المفارقة إثارة عندما نتذكر أن المنتخبين التقيا أيضاً في افتتاح مونديال 2010 على ملعب سوكر سيتي في جوهانسبرغ. يومها انتهت المباراة بالتعادل 1-1، وشهد العالم أول أهداف تلك البطولة.
وبعد ستة عشر عاماً يعود المنتخبان لافتتاح كأس العالم مرة أخرى، لكن هذه المرة في قارة أخرى ومدينة أخرى ونسخة مختلفة تماماً من البطولة. فالعالم الذي شاهد مونديال جنوب أفريقيا كان يعيش حقبة مختلفة حيث كانت البطولة تضم 32 منتخباً فقط، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي في بدايات تأثيرها العالمي، ولم تكن كرة القدم قد تحولت بعد إلى الصناعة الضخمة التي نعرفها اليوم.
أما مونديال 2026 فيشهد مشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى في التاريخ، ويقام في ثلاث دول، وتتابعه جماهير من مختلف أنحاء العالم عبر منصات رقمية لا حصر لها.
ومن الناحية السكانية والاقتصادية تبدو المقارنة بين البلدين مثيرة للاهتمام، فالمكسيك التي يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة تُعد من أكبر اقتصادات أمريكا اللاتينية، بينما تمثل جنوب أفريقيا قوة اقتصادية وصناعية رئيسية في القارة الأفريقية ويبلغ عدد سكانها نحو 65 مليون نسمة، لكن تاريخ كأس العالم علّمنا أن الأرقام خارج الملعب لا تصنع الفارق داخله. فكم من دولة صغيرة كتبت فصولاً خالدة في تاريخ البطولة، وكم من قوة اقتصادية غادرت المنافسات مبكراً.
لهذا لا تبدأ حكاية المونديال بالأرقام وحدها، بل بالأحلام:
حلم المكسيك أن تجعل الأرض حليفاً لها وأن تمنح جماهيرها بطولة لا تُنسى على أرضها، وحلم جنوب أفريقيا أن تثبت أن حضورها في ذاكرة المونديال لم يكن مرتبطاً فقط بعام 2010، بل يمكن أن يمتد إلى المستقبل أيضاً.
وعندما تنطلق صافرة البداية في أزتيكا، لن تكون هناك استضافات سابقة أو مؤشرات اقتصادية أو أرقام سكانية. سيبقى فقط سؤال واحد يرافق المباراة الأولى في كأس العالم 2026:
إذا كانت المكسيك تمثل حلم الأرض، وتمثل جنوب أفريقيا حلم القارة، فأي الحلمين سيكتب أول سطر في حكاية المونديال الجديد؟