الموعدُ يقترب، والكلُ في العالم برفع الذهب يُمني النفس، لا سيما كباره.. تتأبط البرازيل «منجم المواهب» تاريخاً تليداً وسناماً في البطولة هو الأكبرُ والأكثرُ استدعاءً للزهو بـ 5 كؤوس، فيما تثقل الكاهل وتفرخ الشكوك خيبات مريرة، جرعتها علقم حرمان الألقاب 24 عاماً.. يحشد «السيليساو» الكوكبة، ويستنهض ما استطاع من قوى، عله هذه المرة ينجح في تحقيق الحلم المتمنع، ويرقص على أرض الشمال الأمريكي «السامبا».. أما الجارة اللدود الأرجنتين، والتي أنهت، وعبر «مونديال قطر»، صياماً لاتينياً مخجلاً عن المنصات، فتحدوها الآمال في الاحتفاظ باللقب من مطامع المنافسين، بينما تنشد «ديوك» فرنسا بطلة العالم ووصيفته آخر مرتين، والمدججة بلامع النجوم في كل مركز، الصياح عالياً، وحصد «نجمة ثالثة»، استثماراً في جيل ذهبي فرض في ميادين الكرة العالمية على الخصوم سطوته.. وإسبانيا التي استعادت البريق المفقود منذ التتويج الأوحد على أرض أفريقيا في عام 2010، تشاركها الشغف إنجلترا، بإنجاز مماثل يتيم، عمره 6 عقود، يُطمع في تكراره، هي خمسة منتخبات لا يرشحها النقاد والمحللون فقط، بل ومنطق القوة والجاهزية الحاسميْن لاعتلاء العرش في عرس الكوكب الأعظم، الذي تجري منافساته على أراضي ثلاث دول أمريكية.



لا تقتصر قائمة المرشحين على الـ 5 الكبار، بل تضم منافسين آخرين، كانت لهم في الميادين جولات.. المستطيل حكايا.. ومنصات التتويج شجون.. الأبرز «الماكينات» ألمانيا، التي، وإن أعطبت في آخر نسختين، تبقى على الدوام رقماً صعباً ومنافساً شرساً، لا يمكن استبعاده من ضيق الدائرة، إذ يملك «المانشافت» من الألقاب أربعة، ومن الهيبة والهوية ما يسندانه ويدعمان حظوظه، حتى وهو في واحدة من أضعف نسخه على مر تاريخ.



هي أوروبا مهد المستديرة وسيدة التتاويج.. 12 لقباً تكتنز الخزائن من أصل 22.. الألمان 4 والطليان مثلهم، الفرنسيون لقبان، فيما الإنجليز والإسبان إنجاز وحيد.. الحال مقارب، بل وشبه مساوٍ في القارة البعيدة أمريكا اللاتينية، والتي تقاسم النظيرة العجوز المجد بـ 10 ألقاب، تتوزع بين البرازيل 5 والأرجنتين 3، ولقبين قديمين للأوروغواي في البدايات.



على ريادة هولندا لا تنتطح عنزان.. صولات وجولات.. مدرسة غيرت.. لا بل أحدثت انقلاباً في الفلسفة والمفاهيم.. مبتكر الكرة الشاملة التي سحرت الجماهير، وبها العالم افتتن.. لم يشفع لها كل ذلك في اعتلاء السدة، بعد خسارتها ثلاثة نهائيات في الأعوام 1974 و1978 و2010، ما جعلها والحظ خصمين، أو كحال فرس رهان تبلغ في كثير أحايين ضفة النهر، وترجع في آخر المطاف عطشى، لتبقى البطل غير المتوّج، و«الطواحين» التي كسرتها الرياح مرات.



وكما في أمريكا الجنوبية برازيل، فإن في أوروبا أخرى، سماها المتيمون بالسحر الحلال «البرتغال».. تتشابه في الأسلوب، ولها من ملامح مُشبهها نصيب.. هنا تستدعى ذاكرة التواريخ عصر أوزيبيو.. عبقرية فيغو.. واستثنائية رونالدو.. لم يحظ الأساطير الثلاثة، وعلى تفرق الأجيال، ولو بقرب من عناق المجد.. يتنقل أحفاد فاسكو دا غاما، بقيادة المخضرم «الدون»، في مهمة لا لاستكشاف أراضٍ على خطى الرحالة الأشهر، بل بحث مضنٍ عن ذهب استعصى عقوداً على معاول المنقبين.



«أفريقيا».. ومن غيرها ملح البطولات؟.. قارةٌ تهدي التنافس في كل نسخة حصاناً من لدن «كاميرون 1990»، أسود غير مروضة، زأرت في ملاعب الطليان.. رقصات روجيه ميلا، ورأس أومام بييك، مروراً بمغامرة نيجيريا، إبداعات أوكوشا، وأهداف رشيدي يكيني في «مونديال أمريكا 1994»، حتى إذا استضافت كوريا واليابان الكرنفال في عام 2002، قالت السنغال: «أنا»، جندلت فرنسا في الافتتاح، وبلغت ثمن النهائي بإقصاء السويد بأقدام هنري كامارا، في مباراة نضحت جنوناً وهيستريا رسخانها في ذاكرة الملايين.



جاهد الأفارقة لاجتياز عتبة ربع النهائي على أرضهم في «مونديال 2010»، أوان حملت اللواء غانا، وحال بينها والحلم «يد الشيطان» لويس سواريز، وقدم أسامواه جيان، التي أخطأت طريق شباك الأورغواي، وأضاعت ضربة جزاء في آخر ثواني النزال.



وئد الحلم حينها، لكن الأمل في النفوس حيٌ لم يمت.. زأرت «أسود الأطلس» غضبى في أراضي قطر، كما ينبغي أن يكون الزئير.. التهمت كل من اعترض طريقها من فرائس، لا فرق بين غث وسمين، صغار العالم وكباره، على السواء، ضحايا، بلجيكا وكندا وإسبانيا والبرتغال، لتحجز مكانها وعن جدارة واستحقاق بين الأربعة الصفوة الكبار.



نال «فراعنة مصر» شرف أول تمثيل «أفريقي – عربي»، في ثاني نسخ المونديال عام 1934.. أوان لم تمثل آسيا وشارك اللاتينيون بفريقين.. لازموا بعدها الكهف، وما أعادوا الكَرة إلا عام 1990.. ثم انتظار آخر امتد قرابة ثلاثة عقود، كُسر بمشاركة خجولة في مونديال روسيا 2018، لم تؤتِ الثمار وتدرك الهدف المطارد «تحقيق أول فوز».. لعل في أمريكا كتابة حكاية طالما انتظرها المحبون، فالنجوم متلألئة، والقرعة في أسوأ التصنيفات «شبه رحيمة».



يتوكأ «منتخب الساجدين» على كوكبة لم تُتحْ قبلاً، رأسها نجم ليفربول محمد صلاح، ومتألق مانشستر سيتي عمر مرموش، ونجم شباب برشلونة حمزة عبد الكريم، علهم يشفون الغليل بالإجابة عن سؤال لا يزال يُلح: «أما آن لسيد أفريقيا ومتوجها سبعاً، استنساخ التفوق القاري مثيلاً عالمياً يسطر عبره تاريخ، ويترك بصمة، بل ويدون على الصفحات ما يبقى في الذاكرة؟».



تشد القارة السمراء الرحال إلى أمريكا بـ 10 ممثلين، يحملون ألوية التحدي، فيما لا يُنقص من الحماس متفاوتُ الحظوظ.. «أسود الأطلس»، و«أسود التيرانغا»، و«محاربو الصحراء»، و«نسور قرطاج»، و«الفراعنة» الشداد، و«أفيال» ساحل العاج، وأولاد جنوب أفريقيا «البافانا بافانا» و«النجوم السوداء» غانا، والرأس الأخضر «أسماك القرش»، وآخر الواصلين عبر نفق الملحق الضيق، «فهود» الكونغو الديمقراطية.



في آسيا، يبدو الحال أقلْ جذوة وإنجازات، بل وطموحات.. تقتحم «القارة الصفراء» الحدث العالمي بفرق خبر بضعها الدروب والمسالك، فيما تطل أخرى على المنافسة لأول مرة.. وبين هؤلاء وأولئك منتخبات لا تزال تتلمس الخطى، تصل الهدف مرة وتغيب مرات، في مسير غايته تثبيت الأقدام ضيفاً مقيماً في النهائيات.



يرتحل الآسيويون إلى ما وراء البحار، تحدوهم الآمال في صنع تاريخ لا يتوقع لقطاره وصول محطات التنافس على التتويج وما جاورها، بل أقصى الطموحات على ما يقيّم عارفون وصول سقفه ربع النهائي.. حاملو الرايات 9.. «الشمشون» الكوري، و«ساموراي» اليابان، و«عنابي» قطر، سيد القارة ومتوجها آخر نسختين.. والأخضر السعودي.. و«نشامى الأردن».. و«كنغر» أستراليا، و«تيم ملي» إيران، و«الذئاب البيضاء» أوزبكستان، ثم تأهل تاريخي لـ «أسود الرافدين» العراق، من ثقب إبرة.



يتربّع «الشمشون» على عرش القارة، مشاركات ونتائج، فما عرف الغياب ولم يعرفه منذ «مكسيك 1986»، تمرّس في الملاعب، وتخصص أيضاً في اصطياد الكبار، إيطاليا وإسبانيا على أرضه أوائل القرن، في نسخة اقتحم فيها دائرة الأربعة الكبار، ثم إقصاء ألمانيا على ملاعب الروس 2018.



اسماً وهيبة صنع «الساموراي» خلال سبع مشاركات دشنها في «مونديال 1998»، بل وجعل من نفسه خصماً عنيداً يخشى الكبار نزاله، هو لا يبلغ مراحل متقدمة في كل نسخة، لكنه قادر على إيذاء الخصوم في آن، أوما تجرأ في «مونديال 2022» على ألمانيا، وألقى بها خارج الحلبات؟، كانت ثاني مرة ربما يطعن فيها «المانشافت» في كبريائه، ويودع البطولة في البواكير.



يعود «الأخضر»، والعودُ أخضرُ، إلى بلاد العم سام، بعد ثلاثة عقود وأكثر، محملاً الآمال في تكرار إنجاز «جيل العويران والدعيع».. إبهاره وما صنع من تاريخ بتأهل فريد لأول وآخر مرة إلى الدور التالي، مما مجموعه 7 مشاركات. لم يغب المنتخب السعودي، ومنذ الظهور الأول في أمريكا 1994، سوى عن نسختي 2010 و2014، عاد بعدها في مونديال قطر، مفجراً المفاجآت في البدايات، بفوز صاعق على الأرجنتين، لم يثمر عبوراً إلى دور الـ 16، بعد خسارتين مؤلمتين من بولندا والمكسيك.



أخرج «العنابي» من الجعبة، وبعد طول كمون، جيلاً مغايراً، حمل على الأكتاف وما ناء ثقل كتابة تاريخ قطر على مدونات آسيا.. تُوج مرة وثانية، حاصداً ثمار ما غرست الرؤى في «أكاديمية اسبير»، وأشرع واسعاً الأفق أمام ارتياد العالمية، بمشاركة أولى على أرضه، وها هو الآن يرحل لتسطير أخرى في النهائيات.. حُمل من القرعة مهام نصف جسام، إذ عليه وحال أراد العبور، تعطيل «ساعات» سويسرا، وجندلة «الحمر» كندا، مع تحدٍ أقل ليس أكثر من اصطياد «تنانين البوسنة».



«نشامى الأردن».. فارس متوثب، أدهش وفرض على الجميع نفسه، وربما الأحقية في تمثيل القارة، بما حقق من نتائج وتطور أهلانه لانتزاع البطاقة اقتداراً.. عبس له الحظ في التتويج مرتين، أولاها بلقب كأس آسيا والأخرى العرب، عله يعوض عبر مفتتح مغامراته في المونديال، رغم صعوبة المهمة، ووعر دروبها، ففي انتظاره «الهول» أبطال العالم الأرجنتين، ثم شقيقته الجزائر، والنمسا خصم ثالث في مجموعة يحلم بخطف إحدى بطاقتيها، وفي أسوأ الفروض ثالثة يلامس عبرها العتبة الأعلى، مراهناً على كوكبة رأس رمحها التعمري والنعيمات.. متجاذبٌ يبدو بين واقع حال شعاره «المشاركة تكفي»، ولسان حال ينضح عنفوناً.. تحدٍ وثقة: «من حقي الحلم».



لا تملك أمريكا الشمالية في دهاليز المونديال وأضابيره من كبير إنجاز، سوى تألق يتيم في أول تنظيم اقتنصت فيه المركز الثالث بأقدام «اليانكيز» الأمريكي على أرض الأوروغواي عام 1930.

أو يملك المستضيفون الثلاثة أمريكا وكندا والمكسيك فرصاً ولهم في الأمر من شيء؟.. الإجابة وفق واقع التنافس ومنطقه الذي لا يحابي، «لا».. قد تناوش بعضها الكبار وتوجع.. لكنها قطعاً لا تستطيع المجاراة إلى آخر المسار، ولو ميزت على الكل بعاملي أرضٍ وجمهور.. فأمريكا، وعلى تطورها اللافت، فريق غير ذي مراس، لم يبلغ الحلم بعد، فيما المكسيك فريق قوي تخشى بوادره، إلا أن لشجاعته سقف وحدود، أما كندا فمنتخب يافعُ غض الإهاب، يحتاج الصبر والتجارب لتقوية العود في النزالات والجلد.



وكما في الكأس كلاسيكيات اعتادها التنافس على مر النسخ، فإن فيه «ثأرات» ما أطفأت مضرم نارها في الدواخل السنين، لم تنسَ الجزائر ما حاك لها المتآمران النمسا وألمانيا في نسخة 1982، ما سمي وقتها «فضيحة خيخون»، تواطؤٌ بيّن بين الدولتين، أحرج «الفيفا»، وقذف «الخُضر» خارج أسوار المونديال، ينشد المحاربون بسهام محرز وبن سبعيني، وقد جاءتهم الفرصة على طبق، الانتقام لرابح ماجر ورفاقه، عندما ينازلون النمسا على عشب «أروهيد»، أعلى ملاعب العالم صوتاً في ولاية ميزوري الأمريكية.



يفتقد العالم إيطاليا، أحد أكبر أقطاب كرة القدم، هرمت وتساقطت أسنانها، ونال منها الزمان ما نال.. ما كان يُصدق أن يأفل نجم «الآزوري»، يهبط السفح، ويخبو صيته، وهو الذي طالما ملأ الذُرى ضجيجاً وشغل الناس، يتحسر المحبون على ما بلغ من وهن، وحال يغيظ العدا على ما تقول الأمثال.. غياب عن ثلاث نهائيات على التوالي، تنبئ، ليس عن تخلي حظ وتردي مستوى، قدر ما عقم أفكار وانهيار منظومة، بعد أن ذهبت كل المحاولات لبلوغ النهائيات أدراج الرياح سدى، أما من ناصح يُسدي، ومشفق يجهر في مسامع من على الأمر قائمين: «لا تجري على اليبسِ ثمة سفينة»؟.



أين الدب؟..منزوٍ يلازم السبات، ناخرٌ شتاء روسيا القارس في هش عظامه.. لقد غيبته السياسة ومفاعيلها.. ما وطأت قدماه أرض قطر، وأغلق «مونديال أمريكا» في وجهه الأبواب.. وحيد لا يبارح كهوف عزلته، إلا لأداء وديات لا تجهزه، بل غيره، للتباري وخوض الغمار، لا أمل في عودته إلا حال صمت المدافع في دونيتسك وخاركيف، وخلو سماء أوديسا وخيرسون وكييف من الصواريخ وأسراب المسيرات.. بإيجاز، ليس بعده إلا إذا ارعوى المتنازعان، ووضعت رغم أنفيهما أوزارها الحرب!



يتصارع 48 منتخباً في الماراثون، ارتفاعاً من 32، على عشب 16 ملعباً، 3 في المكسيك، واثنان في كندا، والبقية أمريكا.. يستجمع الكبار القوة، والصغار الشجاعة، فيما لا صوت يعلو فوق صوت التحدي وإثبات الذات، فأي العواصم تُرى ستحتشد فيها الجموع صبيحة العشرين من يوليو، لاستقبال الكأس والأبطال المتوجين؟.



لا يختلف «مونديال 2026» في كثير عن سابقيه.. هي الخصائص ذاتها والسمات.. سيتراقص العالم طرباً شهراً ونيف، تنثر خلاله «المستديرة» السحر وجامح الشغف.. تُفرح شعوباً وتُبكى أخرى.. تصنع الإثارة الهادرة، وتوزع على الكل بقدر كدّه وجدّه وما استودع من مهارات وعزائم، جزاء الانتصارات شهداً، والانكسارات فيض دموع.



يلوّح لاعبون طالما ملأوا ملاعب المونديال إبداعات بأيدي الوداع في آخر مشاركة.. الأبرز ميسي ورونالدو وخاميس رودريغيز ونيمار ودي بروين وساديو ماني ومحمد صلاح، لقد أزف الترجل وإفساح الطريق أمام أجيال متوثبة، تطل على الحدث لأول مرة، على غرار لامين يامال ولينارت كارل وأوليسي وهالاند.



تعج قوائم الغائبين عن المونديال بالنجوم، موزعين بين إصابات وإخفاق في التأهل، فيما زهد المدربون في استدعاء آخرين.. غيابات بوسعها، وحال التحمت، تشكيل فريق لا يقهر، قادر على مجاراة الكبار وحصد الكأس ربما.. يحرس العرين حائط إيطاليا جيانلويجي دوناروما، دفاعه رباعي صلد إيدير ميليتاو وأليساندرو باستوني وترنت ألكسندر أرنولد وأليخاندرو بالدي.. وفيما يهندس خط الوسط دومينيك سوبوسلاي وكول بالمر ونيكولو باريلا، يتشكل هجومه الضاري من لاعبين بينهم والشباك هوى، كفارا تسخيليا ورودريغو وروبرت ليفاندوفسكي.



وإلى حين انطلاق العرس العالمي، وبوح مبارياته الـ 104 بما استقر في قاعها من أسرار، تظل الترشيحات على الورق، فيما قد يكون لأرض الملعب رأيٌ آخر.. رأيٌ مفاده وخلاصته، أنْ لا كأس إنْ لم يُسكب العرق، وتُمرّغ في العشب أنوف.