كشفت صحيفة «إل إكونوميستا» الاقتصادية المكسيكية عن الوجه المظلم للمونديال؛ فخلف بريق الأضواء وهتافات الجماهير التي تملأ شوارع العاصمة، تختبئ كواليس مريرة يعيشها سكان «مكسيكو سيتي». وبينما يترقب العالم فصول المتعة والإثارة في الملاعب، تحولت البطولة الأكبر تاريخياً إلى «كابوس معيشي» حقيقي يهدد الآلاف من العائلات المحلية بالطرد والتهجير القسري الصامت، مدفوعاً بموجة غلاء غير مسبوقة وجشع عقاري غير منضبط طال قطاع السكن بأسره.

في كواليس القطاع العقاري بالمكسيك، استغل ملاك البنايات السكنية والمستثمرون ثغرات واضحة في قوانين الإيجار المحلية لإنهاء عقود المستأجرين الحاليين بشكل مفاجئ. والهدف لم يكن تجديد البنايات، بل تفريغها بالكامل وتحويلها إلى وحدات سياحية معروضة على منصات الإيجار قصير الأجل مثل (Airbnb) و(Vrbo).

هذا التحول السريع مكّن الملاك من مضاعفة أرباحهم إلى أرقام فلكية؛ فالشقة التي كانت تُؤجر لعائلة مكسيكية لشهور طويلة باتت تُعرض للمشجع الأجنبي بأضعاف قيمتها لليلة الواحدة فقط، مما أدى إلى موجة إخلاء قسري واسعة شملت أحياء تاريخية شهيرة مثل «روما» و«كونديسا»، وسط عجز السكان عن إيجاد بدائل تناسب دخلهم.

لم تتوقف الأزمة عند حدود السكن، بل امتدت لتطال تكاليف المعيشة اليومية في الأحياء المحيطة بالملاعب ومناطق المشجعين. فقد تسبب التدفق الهائل للسياح الأجانب في قفزات جنونية بأسعار السلع الأساسية، والمطاعم، وخدمات النقل، ما جعل الحياة اليومية فوق طاقة المواطن المكسيكي البسيط.

هذا الوضع فجّر موجة غضب شعبي عارمة، ونظم سكان العاصمة وقفات احتجاجية رفعوا فيها شعارات تندد بـ«سياحة التهجير» وتطالب بتدخل حكومي صارم لفرض سقف أسعار على الإيجارات. وفي المقابل، اختارت مئات العائلات حلاً مريراً وهو «الهروب الطوعي» من مدينتهم والنزوح مؤقتاً نحو الأرياف أو المدن البعيدة غير المستضيفة، هرباً من الغلاء الساحق وضوضاء البطولة.

لم تكن أزمة كأس العالم وليدة اللحظة، بل جاءت لتتوج تراكمات بدأت منذ فترة؛ حيث شجعت الحكومة المكسيكية تدفق الأجانب و«الرحالة الرقميين» الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار واليورو ويعيشون في المكسيك لرخص المعيشة مقارنة ببلدانهم. ومع وصول المونديال، بلغت هذه الظاهرة ذروتها.

أدى هذا التزاحم بين السياح الموندياليين والمقيمين الأجانب الدائمين إلى «دولرة» قطاع السكن بالكامل في قلب العاصمة، حيث أصبحت العقارات تُسعر وتُؤجر بالدولار الأمريكي بدلاً من البيزو المكسيكي، ما عزل المواطن المحلي تماماً عن سوق العقارات في بلده، ورسم علامات استفهام كبرى حول المسؤولية الاجتماعية والبيئية لتنظيم مثل هذه الفعاليات الرياضية الضخمة على حساب الشعوب المستضيفة.